حين تتحول المحظورات إلى سياسات قصة العملات الرقمية في العراق

حين تتحول المحظورات إلى سياسات قصة العملات الرقمية في العراق
يناقش الطرح انتقال العراق من تجريم العملات الرقمية إلى تنظيمها، مبرزاً فشل المنع وضغوط الرقابة الدولية، ومحذّراً من مخاطر تهديد الدينار والاستقرار المالي في ظل ضعف البنية المصرفية والأمن السيبراني، مقابل فرص مشروطة بتنظيم حذر وتدريجي...

من التجريم إلى التنظيم العملات الرقمية والمشفرة في العراق ضرورة اقتصادية أم مغامرة غير محسوبة؟ قبل سنوات قليلة، كانت العملات الرقمية والمشفّرة في الخطاب الرسمي العراقي تُصنّف مباشرة ضمن غسل الأموال والأنشطة غير المشروعة، وتُقابل بالتحذير والتجريم دون نقاش.

اليوم، يعقد البنك المركزي العراقي اجتماعاً رسمياً لتشكيل اللجنة الوطنية العليا لتنظيم الأصول الافتراضية. السؤال الذي يفرض نفسه على الرأي العام: ماذا تغيّر؟ وهل نحن مستعدون فعلاً لهذا التحول؟ ما حجم العملات الرقمية عالمياً؟ للخروج من الانطباعات، نذهب إلى الأرقام:

  • القيمة السوقية العالمية للعملات الرقمية: بين 1.6 – 1.8 تريليون دولار (2024–2025)
  • عدد المستخدمين حول العالم: أكثر من 420 مليون مستخدم
  • حجم التداول اليومي: يتراوح بين 50 – 120 مليار دولار
  • أكثر من 130 دولة وضعت أطر تنظيمية أو قوانين جزئية

بمعنى آخر نحن لا نتحدث عن “فقاعة إنترنت”، بل عن قطاع مالي موازٍ بحجم اقتصاد دول متوسطة.

ماذا عن العراق؟ (الأرقام غير المعلنة)

رغم عدم وجود بيانات رسمية، تشير تقديرات غير مباشرة إلى: آلاف الحسابات العراقية النشطة على منصات تداول خارجية، تداول سنوي يُقدّر بـ مئات ملايين الدولارات، استخدام العملات الرقمية في: التحويلات الفردية، المضاربة، تهريب القيمة خارج النظام المصرفي. المفارقة: التجريم لم يمنع التداول، بل جعله خارج الرقابة بالكامل. لماذا انتقلنا من المنع إلى التنظيم؟

فشل سياسة المنع

لا سيطرة، لا بيانات، لا ضرائب، لا حماية للمواطن والضغوط الدولية: العراق يخضع لمراقبة مشددة من: FATF، الخزانة الأمريكية، البنوك المراسلة والفراغ التنظيمي يُعد نقطة ضعف أخطر من التنظيم المشروط.

مخاطر على الدينار: الانتشار غير المنظم للعملات الرقمية يعني: تقليل الطلب على الدينار، تسريع الدولرة الرقمية، إضعاف أدوات البنك المركزي. هل نملك البنية التحتية؟ الجواب الصريح: لسنا جاهزين بالكامل

البنية المصرفية أكثر من 70% من المصارف العراقية تعاني من: ضعف الامتثال، مشاكل في الأنظمة. ولا توجد: وحدات متخصصة بالأصول الرقمية وأنظمة تتبع معاملات البلوكچين

الأمن السيبراني

العراق خارج أفضل 100 دولة في مؤشرات الجاهزية السيبرانية والمؤسسات المالية تعاني من: نقص الكوادر، ضعف الأنظمة الوقائية. الثقافة المالية: غالبية المتعاملين لا تميّز بين استثمار ومضاربة، تدخل السوق بدافع “الربح السريع” وارتفاع حالات الاحتيال، المنصات الوهمية، والخسائر الفردية الكبيرة

ما الذي يمكن أن يكسبه العراق؟

إذا أُحسن التنظيم: إدخال نشاط مالي خارج النظام إلى الرقابة، تقليل التحويلات غير الرسمية، توسيع الشمول المالي للشباب، وتحسين صورة العراق أمام المؤسسات الدولية لكن المخاطر الحقيقية إذا أُسيء التنظيم أو تمّ التسرع: تهريب رأس المال بوتيرة أسرع

مضاربات تضر بالاقتصاد الحقيقي، ضغط إضافي على سعر صرف الدينار، خلق فقاعة مالية داخل اقتصاد هش وهنا تصبح العملات الرقمية: أداة استنزاف لا أداة تطوير

ما المطلوب من الدولة؟ ليس المطلوب فتح الباب على مصراعيه، بل:

1.تنظيم تدريجي ومحدود

2.ترخيص منصات قليلة وتحت رقابة صارمة

3.ربط أي نشاط بـ: معرفة الزبون (KYC)، مكافحة غسل الأموال (AML)

4.منع الربط المباشر بالدينار في المرحلة الأولى

5.برنامج وطني للتثقيف المالي الرقمي

6.تشريع واضح بدل تعليمات مؤقتة

العملات الرقمية ليست: خلاصاً اقتصادياً ولا شراً مطلقاً هي أداة: إما أن تُدار بعقل الدولة أو تُترك لعقل المضارب والمهرّب وما بين الخيارين، يقف الاقتصاد العراقي الهش أمام اختبار جديد. السؤال الحقيقي ليس: هل ننظم العملات الرقمية؟ بل: هل نملك القدرة على إدارتها قبل أن تُدار هي بنا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *