المقدمة:
في زمن تتسارع فيه النزاعات المسلحة وتتشابك فيه المصالح الدولية، لم تعد الحروب تُدار بالجيوش النظامية وحدها، بل باتت تعتمد على استقطاب البشر من البيئات الأضعف اقتصاديًا واجتماعيًا. الشاب العراقي، المحاصر بالبطالة وضيق العيش وغياب الأفق، أصبح هدفًا مباشرًا لشبكات تجنيد عابرة للحدود، تحوّله من باحث عن فرصة حياة إلى وقود في صراعات لا تخصه.
هذا المقال يحلل أسباب هذا الاستهداف، ويكشف الثغرات التي تُستغل لتجنيد الشباب، ويعرض سبل الحماية، مع التركيز على الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، الجهل بحقائق الحروب، ودور الدولة والإعلام في الوقاية والتوعية.
أولًا: هشاشة اجتماعية واقتصادية
الاستهداف يتركز على شريحة محددة من الشباب: بلا عمل ثابت، دخل معدوم أو محدود، مسؤوليات أسرية ثقيلة، وشعور بالإحباط وفقدان الأمل. هذه العوامل تجعلهم أكثر قابلية لتصديق الوعود، وأكثر استعدادًا للمغامرة بحياتهم مقابل أمل مؤجل، حتى وإن كان وهميًا.
ثانيًا: البطالة وتراجع الفرص
غياب فرص العمل المناسبة عمّق يأس الشباب العراقي، خاصة مع إغراق السوق المحلية بالعمالة الأجنبية القادمة من دول آسيوية وعربية، كثير منها دخل البلاد بطرق غير قانونية عبر شبكات تهريب منظمة. النتيجة: منافسة غير عادلة، خفض للأجور، وإقصاء اليد العاملة الوطنية.
ملاحقة هذه الشبكات وتفكيكها واجب وطني لا يحتمل التأجيل، حمايةً لسوق العمل وكرامة الشباب.
ثالثًا: الجهل بوابة الاستدراج
الجهل هنا لا يقتصر على التعليم، بل يشمل غياب الوعي بطبيعة الحروب الحديثة، حيث لا قيمة للعقود في ميادين القتال، ولا حماية قانونية للمقاتلين الأجانب، ولا ضمان للعودة أو حتى الاعتراف بالموت. هذا الجهل يتحول إلى مصيدة قاتلة، تدفع الشباب الى اتخاذ قرارات مصيرية لا يمكن التراجع عنها وتقودهم الى ساحات حرب لاخروج منها الا بالموت او الفقدان.
رابعًا: الوعود الواهنة
شبكات التجنيد تعتمد على إغراءات متكررة: رواتب مرتفعة، حياة مستقرة بعد “المهمة”، وزواج خارج العراق. لكن الواقع مختلف تمامًا: الحرب لا تمنح استقرارًا، المال غالبًا يختفي مع أول خسارة، ومن يدخل ساحات القتال لا يملك قرار الخروج.
خامسًا: حرب مفتوحة ومصير مجهول
الحروب الكبرى لا تُقاس بالأيام بل بالسنوات، وقد تتوسع جغرافيًا بلا نهاية. الشاب المستدرج اليوم لا يعلم أين سيُرسل غدًا، ولا متى تنتهي مهمته، ولا إن كان سيعود حيًا. في مثل هذه الظروف، يصبح الموت احتمالًا قائمًا لا استثناءً.
سادسًا: الإعلام العراقي ودوره الوقائي
الإعلام العراقي مطالب بأن يكون خط الدفاع الأول، عبر رفع منسوب التوعية، فضح أساليب سماسرة التجنيد، وتوضيح المخاطر بلغة واضحة للشباب. الإعلام المسؤول لا يكتفي بالتحذير، بل يقطع الطريق أمام شبكات الاستغلال بالكشف المستمر عن أكاذيبهم.
سابعًا: مسؤولية الدولة
على الجهات المعنية واجب عاجل: تفكيك شبكات تهريب العمالة غير القانونية، ملاحقة سماسرة التجنيد داخليًا وخارجيًا، تنظيم سوق العمل لحماية اليد العاملة الوطنية، وتفعيل القوانين الرادعة بحق المتورطين. حماية الشباب مسؤولية سيادية لا تحتمل التهاون.
الخاتمة:
الطريق الآمن تجنيب الشاب العراقي أن يصبح سلعة في سوق النزاعات يتطلب: فرص عمل حقيقية وعادلة داخل البلاد، ضبط سوق العمل ومكافحة التهريب، برامج توعية مستمرة في المدارس والجامعات، إعلام مسؤول يضع الحقيقة أمام الشباب، وإجراءات قانونية صارمة ضد شبكات التجنيد. الشاب العراقي لا يحتاج إلى بندقية في حروب الآخرين،
بل إلى فرصة حياة كريمة في وطنه. وأي طريق غير ذلك، مهما بدا مغريًا، ينتهي بالخسارة أو الموت.


