الإطار العام للقرار محل النقد
أصدر الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية إعلانًا تضمّن تحويل إجراءات منح علامة الجودة العراقية للبضائع المستوردة إلى العراق، وربط دخول عدد من السلع – ولا سيما الأجهزة الكهربائية – بالحصول على شهادة علامة الجودة، مع فرض نظام تتبع (Barcode) وتحديد شركات فاحصة بعينها.
هذا الإجراء، بصيغته الإلزامية، يثير إشكالات قانونية ودستورية خطيرة تتعلق بحدود الاختصاص، ومشروعية القرار الإداري، ومبدأ حرية التجارة.
الأساس القانوني المنظّم لعمل الجهاز
1.قانون الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية رقم (54) لسنة 1979 المعدل
- المادة (3):
يهدف الجهاز إلى وضع المواصفات القياسية والمساهمة في تحسين نوعية السلع.
- المادة (4):
يتولى الجهاز وضع المواصفات القياسية وإجراء الفحوصات المختبرية. لم يرد في أي مادة من مواد القانون نص يمنح الجهاز صلاحية إلزام المستوردين بالحصول على علامة الجودة كشرط لدخول السلعة.
الطبيعة القانونية لعلامة الجودة
1.التمييز بين (المواصفة) و(علامة الجودة)
المواصفة القياسية: إلزامية إذا نص القانون أو قرار مجلس الوزراء على إلزاميتها. علامة الجودة: أداة طوعية اختيارية تمنح للمنتج المتميز، ولا تُعد شرطًا قانونيًا للتداول. علامة الجودة ليست بديلاً عن الفحص ولا ترقى إلى مرتبة الإلزام القانوني إلا بنص تشريعي صريح.
مخالفة القرار لمبدأ المشروعية
مبدأ المشروعية “الإدارة مقيدة بالقانون، ولا تملك فرض التزامات أو أعباء إلا بنص قانوني.” إلزام التجار بالحصول على علامة الجودة لم يصدر بقانون، لم يصدر بنظام ولم يصدر بقرار من مجلس الوزراء منشور في الجريدة الرسمية وبالتالي فهو قرار إداري مشوب بعيب عدم الاختصاص الجسيم.
مخالفة الدستور العراقي
المادة (16) من الدستور تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين. وإلزام المستوردين بالتعامل مع شركات محددة يخل بتكافؤ الفرص ويخلق احتكارًا مقنّعًا
المادة (25) من الدستور تكفل الدولة إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس السوق. فرض أعباء غير قانونية يرفع كلفة الاستيراد، يقيّد حرية التجارة ويضر بالمستهلك النهائي.
مخالفة قانون حماية المستهلك رقم (1) لسنة 2010 القانون يهدف إلى حماية المستهلك، ضمان سلامة السلع ولم يمنح أي جهة صلاحية ربط دخول السلع بعلامة جودة اختيارية والحماية تتحقق بالفحص المختبري، لا بالعلامة التسويقية.
مخالفة قانون المنافسة ومنع الاحتكار رقم (14) لسنة 2010، إجبار المستوردين على: شركات فحص محددة ومسار إجرائي واحد يؤدي إلى تقويض المنافسة، إخلال بالسوق الحرة وشبهات احتكار إداري
الأثر الاقتصادي السلبي (بالأرقام)
- زيادة كلفة الاستيراد بنسبة تقديرية: 15–30% على الأجهزة الكهربائية
- ارتفاع الأسعار النهائية على المستهلك
- تعطيل التخليص الكمركي
- تراجع حجم الاستيراد النظامي
- توسّع السوق غير الرسمي
عيب إساءة استعمال السلطة
القرار هو خرج عن غاية القانون (الفحص والسلامة)، تحوّل إلى أداة جباية وتعقيد إداري واستُخدم لفرض مسارات محددة دون سند تشريعي وهو ما يشكل عيب إساءة استعمال السلطة وفق مبادئ القضاء الإداري.
النتائج القانونية
- إلزام المستوردين بعلامة الجودة: مخالف للقانون ومخالف للدستور ومشوب بعيب عدم الاختصاص
- الإعلان لا يرقى إلى مرتبة التشريع
- قابل للطعن أمام محكمة القضاء الإداري
إن تحويل علامة الجودة من أداة طوعية إلى قيد إلزامي يمثل انحرافًا تشريعيًا وتجاوزًا إداريًا خطيرًا، يضرب مبدأ المشروعية، ويقوّض حرية التجارة، ويثقل كاهل المواطن، دون سند قانوني صحيح. الإصلاح الحقيقي يبدأ بالالتزام بالقانون، لا بتوسيعه بقرارات إدارية.


