الشجرة الخبيثة .. حكاية الناصرية التي صارت هوية

الشجرة الخبيثة .. حكاية الناصرية التي صارت هوية
تحوّل لقب "الشجرة الخبيثة" من شتيمة أطلقها المحتل إلى رمز للمقاومة والدهاء في مدينة الناصرية، ليعبّر عن صلابة أهلها وعمق هويتهم، حيث أصبح جزءاً من الذاكرة الجمعية والدلالة على الصمود والتحدي...

في ذاكرة الناصرية، تتجاور الحقيقة بالأسطورة، ويتحوّل الحدث العابر إلى رمزٍ يروي روح مدينة كاملة . من بين هذه الرموز يبرز لقبٌ فريد التصق بالمدينة ( الشجرة الخبيثة) . ورغم غرابة الكلمة، فإنها تحمل في باطنها حكاية مقاومةٍ صلبة، وحضوراً اجتماعياً آثر أن يحوّل الشتيمة إلى وسام . من شجرة شجرة الى مدينة .. تتناقل الأجيال أن شجرةً ضخمة كانت تقف قرب الفرات مطلع القرن العشرين، شكّلت ساتراً طبيعياً يختبئ خلفه المقاومون العراقيون لمهاجمة القوات البريطانية .

ولأن الشجرة كانت تتكرر حولها الهجمات، ضاق القادة البريطانيون بها، فأُمر بقطعها، وقيل حينها .. [اقطعوا هذه الشجرة الخبيثة] لكن العبارة لم تمت بقطع الشجرة، فقد بقيت في الذاكرة الشعبية، وانتقلت من وصف شجرة إلى وصف الناصرية نفسها، باعتبارها مدينةً مشاكسة للمحتل، صلبة في مواقفها، عصيّة على الانكسار . بين التاريخ والرواية .. قد لا توجد وثيقة رسمية تؤكد تفاصيل هذه القصة، لكن ما هو مؤكد أن الناصرية كانت واحدة من أبرز مراكز المقاومة والرفض أثناء تلك الحقبة.

ولذلك شاع اللقب بوصفه تأويلًا رمزياً لحالة المدينة، لا لوقائع الشجرة وحدها . فالأسطورة هنا ليست نقيض الحقيقة، بل شكلٌ آخر لها ، تضيف إليها روحًا ومعنى، وتشحنها بالذاكرة الجمعية التي تنقل ما لا يجد المؤرخون طريقاً إلى تدوينه . عمق الدلالة .. عندما يصبح الخبث قوة .. تحوّل اللقب من شتيمة إلى مفخرة، لأن الخبث في الاستخدام الشعبي هنا لا يعني السوء، بل يعني الدهاء في مواجهة المعتدي ، والذكاء الحاد، والقدرة على المناورة . صار يُقال (أهل الشجرة الخبيثة) للدلالة على قوم صلبين، لا يُقادون بسهولة، ولديهم قدرة على الصمود مهما تبدلت الظروف .

ومثلما كانت الشجرة ملجأً للمقاومين، أصبحت المدينة نفسها شجرةً أكبر .. جذورها ضاربة في تاريخ أور القديمة .. جذعها صلبٌ في مواجهة الأزمات .. وأغصانها تمتد نحو الأدب والفكر والثقافة اليوم، لم يعد اللقب مجرد حكاية تُروى؛ بل صار اختزالًا لطبع الناصرية ، مدينة ذات مزاج خاص، حادّة في الحق، لا تتهاون مع الظلم، وتحتفظ بجرأةٍ نقدية ميّزت أبناءها في السياسة والأدب والفكر .

وهكذا بقيت (الشجرة الخبيثة) ليست قصة شجرة قُطعت، بل قصة مدينةٍ لم تُقطع، ولم تُهزم، وظلّت واقفةً رغم العواصف، تستمد قوتها من تاريخها، وذاكرتها، وأهلها الذين حملوا اللقب بوصفه جزءاً من هويتهم، لا عبئاً عليها ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *