منذ أكثر من عشرين عامًا، ما زالت أزمة الكهرباء في العراق بلا حل حقيقي، رغم تغيّر الحكومات وتعدد الوعود والخطط المعلنة. وقد بات واضحًا أن الحكومات المتعاقبة تتحمّل المسؤولية الكاملة عن استمرار هذه الأزمة، ليس فقط بسبب سوء الإدارة، بل بسبب غياب الرؤية الاستراتيجية الجادة لمعالجة المشكلة من جذورها.
حلول ترقيعية بدل استراتيجيات مستدامة
لم تتجه الحكومات العراقية، منذ عام 2003 وحتى اليوم، إلى تبنّي حلول استراتيجية واقعية، سواء على المدى القريب أو البعيد، بل اكتفت بحلول ترقيعية هدفها عبور الأزمات الموسمية، خصوصًا في فصل الصيف، وكسب الوقت سياسيًا، دون الدخول في إصلاح حقيقي لمنظومة الطاقة. وقد أدى هذا النهج إلى تراكم المشكلات بدل حلّها، وتحويل أزمة الكهرباء إلى حالة مزمنة.
الاعتماد على مصدر واحد… خطأ استراتيجي
من أبرز مظاهر الفشل في إدارة هذا الملف هو اعتماد العراق على مصدر واحد في استيراد الغاز، حيث يشكّل الغاز الإيراني ما يقارب 40% من حجم الاستهلاك اللازم لتشغيل محطات الكهرباء. هذا الاعتماد المفرط جعل قطاع الطاقة العراقي عرضة للضغوط السياسية والاقتصادية، وأفقد الدولة قدرتها على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة في هذا المجال الحيوي.
إهمال الثروة الغازية المحلية
الأكثر خطورة من الاستيراد هو إهمال الغاز الطبيعي المحلي المصاحب، الذي يُحرق يوميًا بكميات هائلة منذ سنوات طويلة، دون استثماره في توليد الكهرباء أو الصناعات التحويلية. فكيف يُعقل أن تمر عشرون سنة دون استثمار هذه الثروة الوطنية، أو دون إنشاء خطوط نقل كهرباء حديثة تقلل من الفاقد الكهربائي الذي يصل إلى نحو 40%، وهي نسبة كارثية بكل المقاييس؟
بنية تحتية متهالكة وفرص ضائعة
لم يتم تحديث التوربينات المولدة للكهرباء، ولم تُنشأ محطات جديدة تواكب النمو السكاني والطلب المتزايد، كما لم يُستثمر بجدية في الطاقة النظيفة والمتجددة، رغم توفر الشمس والرياح والمساحات الواسعة. إضافة إلى ذلك، لم تُنوَّع مصادر استيراد الغاز، ولم يُربط استيراد الكهرباء بعدة جهات إقليمية ودولية لتقليل الاعتماد والضغط السياسي.
المستفيدون من استمرار الأزمة
إن من يظن أن إيران وحدها هي المستفيدة أو المسؤولة عن أزمة الكهرباء فهو واهم. فإيران تتصرف وفق مصالحها، وتطالب بحقوق مالية وسياسية سمح لها العراق نفسه بترسيخها. لكن المستفيدين الحقيقيين كُثر، ومنهم:
- أصحاب المولدات الأهلية،
- الجهات المستوردة للغاز والكاز،
- قوى سياسية ترى في الفوضى مصدر نفوذ وربح،
- ودول لا تريد للعراق أن ينهض صناعيًا أو زراعيًا أو تجاريًا.
الشعب… الخاسر الدائم
في النهاية، يتضح أن الجميع مستفيد من استمرار أزمة الكهرباء، باستثناء الشعب العراقي، الذي بقي المتضرر الوحيد منذ أكثر من عقدين، يدفع الثمن من صحته واقتصاده وكرامته، في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية لإغلاق هذا الملف بشكل نهائي.


