بكالوريوس في الطب و الجراحة البيطرية خريج الكلية العسكرية الثانية طالب في كلية القانون ومرشح حالي للانتخابات
إن أزمة العراق اليوم ليست في غياب الوعي، بل في تعطيله. فالفرد العراقي، رغم إدراكه العميق لخلل النظام السياسي، ولفشل النخب الحاكمة في بناء دولة عادلة، عُطِّل عن تحويل هذا الوعي إلى فعل مؤثر. ولم يأتِ هذا التعطيل من فراغ، بل كان نتيجة تراكم طويل من اليأس، وهيمنة خطاب طائفي قسّم المجتمع، وروّع الأحزاب المسيطرة أي محاولة للاعتراض الحقيقي، فضلاً عن الترويج الممنهج لفكرة أن التغيير لا يتحقق إلا بإرادة الخارج، لا بالفعل الوطني المستقل.
لقد جرى، على مدى سنوات، تفريغ السياسة من معناها الحقيقي، وتحويلها إلى شعارات خاوية، تُستخدم عند الحاجة ثم تُرمى. ومع هذا المسار، أُصيب المواطن بحالة من الإنهاك النفسي والفكري، جعلته يرى الوعي عبئاً بدل أن يكون أداة خلاص، فآثر الانسحاب أو الاكتفاء بالمراقبة الصامتة.
من العمل السياسي إلى النشاط الافتراضي
في هذا السياق، جرى استبدال العمل السياسي الجاد بنشاط افتراضي مُستهلك، يقوم على ردود الأفعال السريعة، لا على بناء المشاريع. فوسائل التواصل الاجتماعي، بدل أن تكون أداة تنظيم وتعبئة، تحولت إلى مساحات لتفريغ الغضب، وإعادة تدوير الإحباط، دون أن تفضي إلى نتائج ملموسة. وهكذا، تم تكريس فوضى بلا مشروع، أضعفت فكرة التنظيم، وشتّتت الجهد الجماعي، وأفرغت مفهوم المدنية من مضمونه العملي.
ولم يكن هذا التحول عفوياً بالكامل، بل ساهمت فيه قوى سياسية أدركت أن أخطر ما يواجهها هو العمل المنظم، فشجّعت الفوضى، وروّجت لفكرة أن أي محاولة تنظيمية محكوم عليها بالفشل. وبهذا، جرى تفكيك أي محاولة جادة لبناء فعل وطني مستقل، قادر على الاستمرار والتأثير.
مسؤولية الطبقة الوسطى
ومع ذلك، ورغم هذا المشهد القاتم، تبقى الطبقة الوسطى هي الأمل الحقيقي. فهي الفئة التي تحمل الوعي والهمّ معاً، وتملك القدرة على الربط بين الفكرة والمصلحة الوطنية. هذه الطبقة، بحكم موقعها الاجتماعي والثقافي، قادرة على تجاوز الانقسامات الحادة، وعلى إنتاج خطاب عقلاني، يرفض الطائفية دون أن يقع في الشعبوية.
غير أن هذا الدور لا يتحقق تلقائياً، بل يتطلب تحمّل مسؤولية تاريخية، تقوم على الانتقال من التشخيص إلى الفعل، ومن النقد إلى البناء. فالحياد في لحظات الانسداد الكبرى ليس موقفاً آمناً، بل مساهمة غير مباشرة في إدامة الأزمة.
من الوعي إلى الفعل
إن الأوطان لا تُستعاد باليأس، ولا بالفوضى، ولا بالاكتفاء بالاحتجاج العابر، بل بوعيٍ يتحوّل إلى عمل منظم، طويل النفس، واضح الهدف. فالتغيير الحقيقي لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادة جماعية، تُعيد الاعتبار للفعل السياسي المسؤول، وتؤمن بأن الداخل، مهما بدا ضعيفاً، يظل أقوى من أي رهان خارجي.
وفي العراق، لا تزال الفرصة قائمة، ما دام الوعي حيّاً، وما دامت هناك قوى اجتماعية قادرة على تحويل هذا الوعي من حالة ذهنية معطَّلة إلى مشروع وطني فعلي.


