المقدمة:
يمرّ العراق بمرحلة سياسية دقيقة تتسم بقدر من الهدوء النسبي في المشهد العام، يقابله استمرار أزمات بنيوية لم تُحل، بل تُدار ضمن توازنات هشة. هذا التناقض بين الاستقرار الظاهري والاختلال العميق في بنية النظام السياسي يثير سؤالًا محوريًا: هل يمثّل هذا الهدوء بداية تحوّل فعلي نحو بناء دولة مستقرة وذات قرار، أم أنه مجرد هدنة مؤقتة بين نخب السلطة، فرضتها توازنات داخلية وضغوط خارجية تخشى الانفجار أكثر مما تسعى إلى الإصلاح؟
أولًا: ملامح المشهد السياسي – استقرار بلا توازن
العملية السياسية في العراق لا تُدار وفق منطق التنافس الديمقراطي أو البرامج الحكومية، بل وفق معادلة توافقية قسرية تحوّلت إلى سمة دائمة للنظام. هذه المعادلة، وإن حالت دون الانهيار، أفرزت خللًا بنيويًا واضحًا يتمثل في غياب معارضة سياسية منظمة داخل مجلس النواب، وتراجع الدور الرقابي والتشريعي لصالح التفاهمات السياسية، فضلًا عن تداخل السلطة التنفيذية مع القوى التي يُفترض أن تراقبها. ونتيجة لذلك، بات تشكيل الحكومات عملية معقّدة لا تُحسم عبر صناديق الاقتراع وحدها، بل عبر تفاهمات تتجاوز الإرادة الانتخابية وتُدار ضمن اعتبارات داخلية وخارجية متشابكة.
ثانيًا: طبيعة الضغط الأميركي
– ضبط المسار لا صناعة الدولة
الضغط الأميركي في العراق لا يتخذ طابع الإملاء المباشر، ولا يسعى إلى فرض أسماء أو صيغ حكم محددة، بل يندرج ضمن إطار أوسع يمكن توصيفه بأنه إدارة للاستقرار لا صناعة للدولة. ويرتكز هذا الضغط على ثلاثة محاور رئيسية: منع الانزلاق نحو الفوضى عبر تجنّب أي سيناريو يهدد الأمن أو المال، تفضيل حكومة مقبولة دوليًا قادرة على التعامل مع النظام المالي العالمي والحفاظ على قنوات التواصل الدبلوماسي، وتقليص تأثير الفاعلين غير الرسميين من خلال احتواء نفوذهم داخل الإطار العام للدولة دون الدخول في مواجهات مباشرة.
ثالثًا: هل ينتج الضغط الخارجي حكومة مستقلة ومستقرة؟
يساهم الضغط الأميركي في إنتاج استقرار سياسي نسبي، لكنه لا يفضي إلى حكومة مستقلة بالمعنى السيادي الكامل. فالاستقلال الحقيقي يتطلب نظامًا سياسيًا واضح المعالم، ومؤسسات فاعلة قادرة على فرض القانون، ومعارضة حقيقية داخل البرلمان وخارجه، إضافة إلى عقد اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. وفي ظل غياب هذه الشروط، تبقى أي حكومة مقبلة نتاج توازنات لا مشروع دولة.
رابعًا: المفاوضات الداخلية بين الحرية والاستحالة
نظريًا، يفترض أن تُترك المفاوضات بين الكتل السياسية دون أي ضغوط خارجية، باعتبار ذلك تعبيرًا عن السيادة الوطنية. لكن التجربة العراقية تُظهر أن غياب الثقة بين القوى السياسية، وتضارب المصالح داخل التحالفات نفسها، وضعف الاحتكام للنص الدستوري، إضافة إلى تجربة الانسداد السياسي السابقة، كلها عوامل تجعل من ترك العملية السياسية “تنساب بحرية” خيارًا غير واقعي. بل إن ذلك قد يقود إلى إعادة إنتاج الشلل السياسي بدل الخروج منه، وهو ما جعل الضغوط الخارجية تتحول إلى عامل توازن اضطراري في نظام عاجز عن ضبط نفسه ذاتيًا.
خامسًا: الحكومة المقبلة وحدود قدرتها على الإصلاح
من غير المتوقع أن تحمل الحكومة المقبلة حلولًا جذرية للأزمات الكبرى، وعلى رأسها العجز المالي الذي غالبًا ما يُدار عبر الجباية وتقليص الدعم بدل إصلاح بنية الإنفاق، والاقتصاد الريعي الذي يبقى التنويع فيه شعارًا أكثر منه سياسة فعلية. أما أزمات البطالة والفقر والسكن، فهي أزمات بنيوية متجذّرة تتطلب قرارات حاسمة وشجاعة، غير أن حكومات التوافق عادةً ما تفتقر إلى القدرة على اتخاذ مثل هذه القرارات أو تمريرها. وهكذا يُرجَّح أن تستمر سياسة “إدارة الأزمة” لا معالجتها، مع تحميل المواطن جزءًا متزايدًا من كلفتها اليومية، سواء عبر ضعف الخدمات أو ارتفاع الأعباء المعيشية.
سادسًا: السيناريوهات المحتملة
يمكن توصيف المرحلة الراهنة بين احتمالين رئيسيين: الأول هو استمرار هدنة النخب، حيث يظل الاستقرار هشًا قائمًا على التوافق القسري والضغط الخارجي، وهو استقرار يمنع الانهيار لكنه يعيد إنتاج الأزمات ويؤجل الإصلاح البنيوي. أما الاحتمال الثاني فهو بداية دولة، وهو سيناريو يتطلب إصلاح النظام الانتخابي بما يسمح بوجود معارضة حقيقية، وتعزيز استقلال القضاء، وصياغة عقد اجتماعي جديد يوازن بين الدولة والمجتمع. غير أن هذا الاحتمال يواجه مقاومة من النخب وصعوبة في تمرير الإصلاحات.
الخاتمة:
الاستقرار السياسي في العراق اليوم ليس نتاج دولة قوية، بل نتيجة تفاهم مؤقت بين نخب منهكة، مدعومة بضغوط خارجية تخشى الانهيار أكثر مما تسعى إلى التغيير. الضغط الأميركي ينجح في منع الأسوأ، لكنه لا يصنع الأفضل، ولا يؤسس لمسار إصلاحي طويل الأمد.
أما الحكومة المقبلة، فستكون قادرة على إبقاء الدولة قائمة، لكنها على الأرجح لن تكون قادرة على نقلها إلى مرحلة جديدة من النمو والاستقلال الحقيقي. وهنا يظل السؤال الجوهري مفتوحًا: هل يستطيع العراق تحويل هذا الاستقرار الهش إلى بداية دولة، أم أن ما نعيشه ليس سوى هدنة جديدة في نظام يؤجل أزماته بدل حلّها؟


