سوريا 2025 – بلد يواجه العطش والجوع والانقسام وذاكرة تنزف

سوريا 2025 - بلد يواجه العطش والجوع والانقسام وذاكرة تنزف
ترسم المقال واقع سوريا بعد التحولات السياسية الأخيرة، مبرزًا تفاقم الجفاف والجوع، وتصاعد العنف الطائفي، واستمرار الانتهاكات وغياب العدالة. ويخلص إلى أن وحدة البلاد مهددة، وأن المستقبل مرهون بإرادة داخلية ودعم دولي حقيقي....

تمرُّ سوريا اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ اندلاع الصراع قبل أكثر من عقد. فعلى الرغم من التحول السياسي الكبير الذي شهدته البلاد أواخر عام 2024، وما رافقه من آمال بانفراج إنساني طال انتظاره، إلا أن الواقع على الأرض يكشف استمراراً لمعاناة المدنيين، وتفاقمًا في أزمات الجوع، والجفاف، والعنف الطائفي، وغياب العدالة. وبين كل هذه التحديات، تبدو ملامح وحدة البلاد مهددة كما لم يحدث من قبل . الجفاف والجوع .. أزمة تتسع وتبتلع الحياة اليومية .

شهدت سوريا خلال عام 2025 موجة جفاف تُعد الأسوأ منذ عقود، حيث تراجعت كميات الأمطار بشكل حاد، ما أدى إلى انهيار الإنتاج الزراعي في مناطق واسعة. وتقدّر التقارير الدولية نقصاً يصل إلى ملايين الأطنان من القمح ، وهو محصول يمثل العمود الفقري للأمن الغذائي. هذا التراجع الخطير ترافق مع شحّ مياه الشرب في عدد من المدن والقرى، ما جعل الوصول إلى الماء والغذاء تحديًا يومياً لملايين السوريين .

ومع الانخفاض الحاد في تمويل المساعدات الدولية، غرقت الكثير من الأسر تحت خط الفقر والجوع، وباتت مواجهة انعدام الأمن الغذائي واقعاً لا مهرب منه. الأطفال هم الأكثر تضرراً، إذ تظهر تقارير أممية ازدياد حالات سوء التغذية بينهم، إلى جانب الانقطاع الواسع عن المدارس بسبب الظروف القاسية . العنف الطائقي .. خطر يهدد السلم المجتمعي . مع دخول البلاد مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، برزت توترات طائفية حادة، خصوصًا في المناطق الساحلية ومحافظة السويداء. فاشتباكات متفرقة بين فصائل محلية، وأطراف حكومية، ومجموعات عشائرية، أدت إلى نزوح عشرات الآلاف، إضافة إلى سقوط قتلى وجرحى ووقوع حالات نهب واعتداءات انتقامية .

هذا التصاعد في العنف القائم على الهوية يثير مخاوف جدية من انزلاق البلاد نحو تقسيم فعلي أو صدامات مفتوحة بين مكونات المجتمع. فالحساسيات القديمة التي خلّفتها سنوات الحرب تستيقظ اليوم بقوة، في ظل غياب أجهزة دولة قادرة على فرض الأمن بشكل محايد أو تقديم ضمانات حقيقية للمدنيين . انتهاكات مستمرة رغم تغيير السلطة . ورغم تغير المشهد السياسي، ما تزال الانتهاكات الحقوقية مستمرة في عدة مناطق. إذ توثق منظمات حقوق الإنسان حالات اعتقال تعسفي واختفاء قسري وقتل خارج القانون تقوم بها جهات مختلفة.

كما لم تبدأ بعد عملية واضحة لمحاسبة مرتكبي الجرائم الجسيمة التي شهدتها البلاد خلال العقد الماضي، بما في ذلك ملفات التعذيب والإخفاء . وتطالب المنظمات الدولية الحكومة الانتقالية بتشكيل هيئة فعّالة للعدالة الانتقالية، تحفظ الأدلة، وتحقق مع المسؤولين عن الجرائم، وتُنصف الضحايا وأسر المفقودين. لكن هذه الخطوات تسير ببطء شديد، ما يكرّس المخاوف من إفلات واسع من العقاب .

السويداء .. نموذج مصغر لمعانات وطن تابعت السويداء كواحدة من أكثر المناطق المتضررة خلال 2025. فقد تسببت المعارك الأخيرة في تهجير عشرات الآلاف وتدمير منشآت حيوية كالمستشفيات وشبكات المياه. ووصل الوضع الإنساني حدًّا دفع المنظمات الدولية إلى التحذير من كارثة قد تتفاقم إذا لم يُسمح بدخول المساعدات بسرعة ودون عوائق . وقد أعيد فتح الطريق الرئيسي بين دمشق والسويداء لاستقبال قوافل الإغاثة بعد انقطاع دام أسابيع، لكن الاحتياجات الإنسانية ما تزال أضخم بكثير مما يمكن تلبيته عبر مساعدات متقطعة .

ذاكرة الوطن ورموزه ليست في مأمن .. لم تتوقف الانتهاكات عند البشر، بل طالت رموز التاريخ والهوية، ومن بينها الاعتداءات التي طالت مواقع ونُصُباً وطنية، منها تمثال المجاهد صالح العلي، أحد أهم قادة المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي. الاعتداء على هذه الرموز ليس مجرد تخريب مادي، بل محاولة لضرب الهوية السورية الجامعة، وتشويه الذاكرة الوطنية في مرحلة هي الأكثر حاجة إلى الوحدة والتماسك .

وحدة البلاد.. على مفترق طرق تتقاسم اليوم جهات متعددة السيطرة على مناطق سوريا: فصائل كردية في الشرق، قوى حكومية وانتقالية في الوسط والساحل، وعناصر وفصائل عشائرية في الجنوب. ومع تصاعد الانقسامات الطائفية والجغرافية، بات الحديث عن وحدة سوريا مسألة معقّدة تتطلب حلولًا سياسية عميقة وضمانات حقوقية واسعة، حتى لا تتحول خطوط السيطرة المؤقتة إلى حدود دائمة .

الخلاصة ،، بين شقاء الحاضر وأمل المستقبل . سوريا اليوم تقف على حافة منعطف تاريخي. الجوع والجفاف، والانتهاكات المستمرة، والعنف الطائفي، والتهديد بالانقسام كلها عوامل تجعل المرحلة الحالية الأخطر منذ بداية الحرب. لكن في الوقت ذاته، تمتلك البلاد فرصة لإعادة بناء ذاتها إذا توفّر دعم عربي ودولي حقيقي، وإرادة داخلية صادقة تُعيد الاعتبار للإنسان السوري وحقوقه، وتحمي ذاكرته وتاريخه، وتوحّد مجتمعه من جديد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *