دخل ملف سلاح الفصائل العراقية طورا جديدا من الجدل العلني بعد سنوات كان يدار فيها بصمت او عبر رسائل غير مباشرة، والجديد في هذه المرحلة ان النقاش لم يعد محصورا بالضغوط الخارجية فقط بل بات يجد له متبنين داخل البيئة السياسية والفصائلية نفسها وهو ما يشير الى ان العراق يقف على اعتاب مرحلة انتقالية حساسة تعاد فيها صياغة العلاقة بين مفهوم الدولة ومفهوم المقاومة.
في هذا السياق برزت تصريحات السيد عمار الحكيم التي شدد فيها على اولوية الدولة وحصر السلاح بيدها بوصفه مدخلا للاستقرار وبناء المؤسسات وهي مواقف تنسجم مع خط سياسي يدعو منذ سنوات الى تعزيز مركزية الدولة وتقوية النظام المؤسسي وبالتوازي جاءت تغريدات كل من امين كتائب الامام علي وامين عام حركة انصار الله الاوفياء من ان النقاش لم يعد محرما داخل قوى محسوبة على محور المقاومة وان ثمة مراجعات داخلية تتعلق بشكل ودور السلاح في المرحلة المقبلة.
عمليا يمكن ملاحظة انقسام واضح وان لم يكن معلنا بين فصائل تميل الى القبول بتنظيم او تسليم السلاح مثل عصائب اهل الحق وحركة اوفياء وكتائب الامام علي مقابل فصائل ترفض هذا المسار بشكل صريح مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء التي ترى ان السلاح يمثل ضمانة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها في ظل التهديدات الاقليمية والدولية.
غير ان السؤال الاهم لا يتعلق فقط بمواقف الفصائل بل بمن يملك قرار الحسم المرجعية الدينية في النجف معروفة بتأكيدها المستمر على الدولة والنظام والمؤسسات ولم تستخدم يوما توصيف المقاومة ككيان منفصل عن الدولة اما رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء وبقية السلطات الدستورية فهي مقيدة بتوازنات سياسية داخلية وضغوط خارجية تجعل قدرتها على اتخاذ قرار حاسم امرا بالغ التعقيد والتردد.
إن ما طرحه قادة الإطار وبعض قادة الفصائل يعكس توجها سياسياً كشف بوضوح طبيعة سلاح الفصائل بوصفه سلاحاً مرتبطاً بالدولة منذ نشأته، ولم يكن في أي مرحلة سلاحاً منفصلاً عنها.
وعليه فإن ما يجري اليوم
لا يمثل تحولا أو ولادة واقع جديد، بل هو امتداد لحالة قائمة رافقت وجود سلاح الفصائل منذ بداياته الأولى وإن اختلفت السياقات والتوصيفات مع مرور الوقت.
ولا ننسى ان الضغط الامريكي يشكل عاملا مركزيا في هذا الملف فالولايات المتحدة التي طالبت حزب الله في لبنان بتسليم انواع محددة من الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيرة تسعى بحسب قراءات متعددة الى تحييد اي تهديد محتمل لامن اسرائيل وتحويل القوى المسلحة في المنطقة الى مشاريع سياسية منضبطة وهذا ما يفتح باب التساؤل عن سبب عدم التفاوض المباشر مع الفصائل العراقية كما تفعل واشنطن مع قوى اخرى في الاقليم.
التجارب الاقليمية من افغانستان الى سوريا تشير الى ان واشنطن لا تمانع دمج قوى مسلحة سابقة في بنية الحكم والدولة شريطة الا تشكل خطرا استراتيجيا طويل الامد ومن هنا تبرز المخاوف من ان يكون ملف سحب السلاح في العراق جزءا من اعادة هندسة النظام السياسي وليس مجرد اجراء امني محدود.
على ما يبدو ان القضية لا تتعلق بنزع السلاح بقدر ما تتصل باعادة شرعنته وتنظيمه فربط السلاح بالدولة لا يعني اضعافه بل قد يشكل مدخلا لتطوير الصناعات العسكرية وتوحيد العقيدة القتالية وبناء منظومة دفاع وطنية اكثر تماسكا غير ان اي مسار من هذا النوع سيبقى منقوصا ما لم يترافق مع حل عادل للقضية الفلسطينية والاطماع الاسرائيلية التي تهدف لابتلاع المنطقة، لان غياب العدالة في هذا الملف سيجعل الاستقرار الاقليمي برمته موضع شك دائم وايذان بعودة بعض الفصائل المسلحة الى واجهة المقاومة من جديد وبقوة .!

