امريكا دولة الديمقراطية والسلام ؟! تحاصر فنزويلا وتغلق اجواءها

امريكا دولة الديمقراطية والسلام ؟! تحاصر فنزويلا وتغلق اجواءها
تتناول القراءة تصعيد واشنطن ضد فنزويلا عبر سيناريو الضغط المركب بدلا من الحرب الشاملة، لفرض تغيير سياسي في كاراكاس. الخطاب الديمقراطي يُستخدم أداةً للمصالح، بينما يدفع الشعب الفنزويلي كلفة صراع القوة والهيمنة....

تُظهر الأزمة الراهنة بين الولايات المتحدة وفنزويلا أن واشنطن تقترب من وضع كل الخيارات على الطاولة، خصوصاً بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب إغلاق المجال الجوي فوق فنزويلا بشكل كامل، وهو إجراء لا يُتخذ إلا في لحظات التوتر القصوى.

هذا التصعيد لا يمكن فهمه بمعزل عن مساعي واشنطن لإعادة تشكيل السلطة السياسية في كاراكاس، سواء عبر الضغط العسكري المباشر، أو من خلال دفع الرئيس نيكولاس مادورو إلى التراجع والاستسلام السياسي في النهاية.

السيناريو الأقرب لا يبدو أنه حرب شاملة، فمثل هذه العملية مكلفة سياسياً واقتصادياً، وقد فشلت الولايات المتحدة طوال العقدين الماضيين في إقناع الرأي العام الأميركي بالحروب الخارجية.

ما يرجّح أكثر هو سيناريو «الضغط المركّب» الذي يجمع بين الطوق الجوي والعزلة الدبلوماسية والعقوبات المشددة، مع تحريك قوات محدودة للقيام بعمليات نوعية أو تهديدات عسكرية محسوبة تُضعف موقف مادورو وتزيد الانقسام داخل المؤسسة العسكرية الفنزويلية.

هذا السيناريو يمنح واشنطن القدرة على تغيير قواعد اللعبة دون التورط في احتلال طويل أو حرب مفتوحة.

سيناريو آخر محتمل هو دعم انقلاب داخلي ناعم أو صلب، عبر تشجيع انشقاقات عسكرية أو سياسية، إذ تراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي الخانق والرسائل العسكرية القاسية قد يخلق لحظة انهيار داخلية تفتح الباب أمام انتقال سياسي محسوب.

أما السيناريو الثالث فهو جرّ مادورو إلى مفاوضات تحت النار، بحيث تُبقي واشنطن على تهديد القوة العسكرية كخيار قائم، بينما تدفع الأطراف المعارضة إلى رفع سقف مطالبها، ما يمنح الولايات المتحدة مكاسب سياسية تعجز عن تحقيقها بالحرب.

أما السؤال: كيف لدولة ترفع شعار الديمقراطية أن تلجأ إلى الحروب؟ فالجواب يكمن في أن الديمقراطية الأميركية شأن داخلي، بينما السياسة الخارجية تُدار وفق منطق القوة والمصالح الإستراتيجية لا وفق القيم المعلنة.

واشنطن تنظر إلى موارد فنزويلا النفطية، وموقعها في أميركا اللاتينية، وتخشى تمدد نفوذ الصين وروسيا في محيطها الحيوي، لذلك فإن لغة الديمقراطية تصبح مجرد أداة خطابية تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُحجب حين تتعارض معها.

وإذا كانت الولايات المتحدة تزعم أنها تبحث عن السلام، فلماذا تقف في مواجهة الشعوب؟ لأن السلام الذي تريده هو السلام الذي ينسجم مع رؤيتها للعالم.

كلّما تشكّلت حكومة في دولة ما تتحدى الهيمنة الأميركية أو ترفض الانخراط في النظام الاقتصادي والسياسي الذي ترعاه واشنطن، تُصنَّف فوراً بأنها تهديد يجب احتواؤه أو تغييره.

وهكذا يصبح دعم بعض الشعوب مشروطاً بمدى انسجامها مع السياسات الأميركية، بينما تُترك شعوب أخرى تواجه العقوبات والضغوط لمجرد أن حكوماتها لا تصطف في الخندق المطلوب.

الولايات المتحدة تكيل بمكيالين لأنها تتعامل مع العالم وفق معيارين: الأول يُستخدم مع حلفائها، حيث تُغضّ الطرف عن الانتهاكات، والثاني يُستخدم مع الخصوم، حيث تُرفع راية حقوق الإنسان والديمقراطية كذريعة للعقاب أو التدخل. هذه الازدواجية ليست جديدة، بل هي جزء من بنية النظام الدولي الذي ما زال يُدار بالقوة أكثر مما يُدار بالقانون.

في النهاية، تبقى فنزويلا ساحة مواجهة بين منطق القوة الأميركي وبين دولة تحاول أن تحافظ على استقلال قرارها السياسي.

وما بين الضغط العسكري، والانهيار الداخلي المحتمل، والصفقات السياسية القابلة للتفاوض، يبقى الشعب الفنزويلي هو الحلقة الأضعف التي تدفع الثمن الأكبر، بينما تُدار الصراعات الكبرى تحت لافتات مُجمّلة لا تخفي جوهرها الحقيقي: صراع المصالح لا صراع المبادئ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *