العراق والفشل في ادارة الملف الاقتصادي

العراق والفشل في ادارة الملف الاقتصادي
يحلّل النص إخفاق إدارة الاقتصاد العراقي عبر استنزاف الإيرادات النفطية في الإنفاق التشغيلي، ما يدفع الدولة نحو التقشف والاقتراض، ويكشف فشلًا تراكميًا في تنويع الاقتصاد وإحياء القطاع الخاص رغم وفرة الموارد....

ما تحدث به رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني قبل يومين يمثل شكلاً صارخاً من أشكال الفشل في ادارة الملف الاقتصادي الاقتصادي.

ان استنزاف الناتج المحلي الإجمالي للدولة العراقية في الموازنة التشغيلية وتحديدا في دفع الرواتب للموظفين وللمتقاعدين وبعض الالتزامات الضرورية الأخرى، والتي تصل إلى مانسبته 70% من مجموع هذا الدخل، ليس سوى صورة من صور هذا الفشل الذي يعكس حقيقة ان الدولة تحولت إلى ما يشبه الدكان، تبيع النفط (باعتباره السلعة الوحيدة التي يمتلكها العراق) لتطعم أبناءها فحسب.

ولان لا قيمة حقيقية في الحديث عن الاقتصاد بدون لغة الأرقام، فقد تحدث الرجل في مقابلة تلفزيونية اجريت معه قبل يومين بواقعية عن هذه المشكلة التي تعيشها الدولة العراقية، ليس الان فقط بل منذ تاريخ اكتشاف النفط في العراق.

ولإظهار صورة واحدة من صور هذا الفشل، قال رئيس الوزراء العراقي ان عدد الموظفين الحكوميين بلغ 4 ملايين و550 ألفاً موظف وان عدد المتقاعدين المدنيين والعسكريين وصل إلى مايقارب الثلاثة مليون شخص (وتحديداً 2 مليون و960 ألفاً).

وبحسبة بسيطة فان المجموع الكلي يزيد قليلا عن 7.5 مليون موظف ومتقاعد.

تظهر ارقام الموازنة الاتحادية العراقي ان مجموع ما تدفعه الدولة سنويا من رواتب للموظفين والمتقاعدين وايضاً المشمولين بشبكة الحماية الاجتماعية ما يزيد عن 72 ترليون دينار عراقي (ما يزيد عن 55 مليار دولار).

وبعيدا عن الحديث لاي التزامات واجبة اخرى للحكومة العراقية مثل شراء الطاقة والتي قال رئيس الوزراء ان الحكومة تدفع سنويا مايزيد عن 22 ترليون دينار عراقي لتأمين حد ادنى مما يحتاجه العراق (اي مايقارب 17 مليار دولار دولار)، فان المجموع الكلي للرواتب مع مستحقات توفير الكهرباء فقط تصل إلى 72 مليار دولار.

هذا المبلغ الكبير كفيل باستنزاف الموازنة الاتحادية، وكفيل بجعل ملف السياسية الاقتصادية للبلاد ملفا معوقاً لاي شيء له علاقة بالتنمية.

ولهذا فلا غرابة فيما يتعلق والاجراءات التي اعلنتها الحكومة موخرا في موضوع معالجة الواقع الاقتصادي للبلاد من خلال تبني جملة قرارات اقل ما يمكن وصفها بانها إعلان “سياسة التقشف” واضحة وصريحة لمواجهة هذا التداعي الذي يعيشه الملف الاقتصادي العراقي. وهذا يعني ان المواطن سيكون مجبرا على تحمل ودفع فاتورة الفشل في ادارة هذا الملف.

المؤلم في كل هذا ان الحكومة العراقية القادمة، وكما قال رئيس الوزراء، لن يكون أمامها من خيار سوى اللجوء للاقتراض لمواجهة معدلات العجز التي سترتفع بكل تاكيد بشكل كبير العام المقبل.

وهكذا فان العراق الذي يعتبر ثاني اكبر مصدر للنفط ضمن منظمة اوبك، يعيش واقعا اقتصاديا مترديا تضطر حكومته إلى الاقتراض لمواجهة العجز الذي تقول المؤشرات انه سيتصاعد كثيرا خلال المرحلة المقبلة خاصة إذا تراجعت اسعار النفط في السوق العالمية.

ولنا ان نتصور الواقع الذي يمكن ان تعيشه البلاد لو شهدت أسواق النفط العالمية انهيارا في الاسعار، وهو امر متوقع بكل تاكيد.

ان هذا الفشل ليس وليد اللحظة ولا يمكن تحميل الحكومة الحالية كل تبعاته (رغم انها تتحمل جزءا كبيرا ومهما منه)، لكنه تراكم سنوات من الفشل في ادارة الملف الاقتصادي الذي كان ولا يزال عموده الفقري هو النفط والذي لا يزال يشكل ما نسبته 95% من قيمة الموازنة الاتحادية.

ان عدم نجاح الحكومات المتعاقبة في ايجاد بديل غير النفط يمكن ان يشكل دخلا قوميا، وايضاً الفشل في انعاش القطاع الخاص الذي كان يمكن ان يشكل رديفا حقيقيا للقطاع العام في ايجاد فرص العمل للملايين من العاطلين وتخفيف العبء عنه (القطاع العام الحكومي) هما علامتان فارقتان في هذا الواقع الاقتصادي المتردي والمتداعي الذي نعيشه.

فاي فشل اكبر من هذا في ادارة الملف الاقتصادي والمالي للبلاد؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *