تُظهر تجربة «لجنة الإصلاح الضريبي» في العراق إخفاقات تنفيذية وإجرائية واضحة: لجنةٍ تعتمد كثيرًا على مستشارين دوليين دون صلاحيات تنفيذية واضحة، غياب لمسارات قانونية مؤدية إلى تغييرات تشريعية/تنظيمية ملموسة، وضعف في قدرات تطبيق الأتمتة على الأرض. النتيجة العملية: إيرادات ضريبية لا تزال منخفضة مقارنة بحجم الاقتصاد ووعاء اقتصادي كبير غير مُسجل أو غير مُحاسب ضريبيًا — ما يترجم إلى فقدان إيرادات حكومية حقيقية وفرص لرفع العدالة والشفافية. (المصادر الحكومية والأكاديمية المبيّنة أدناه).
خلفية منهجية قصيرة
الورقة مبنية على: (أ) بيانات رسمية وتقارير صحفية عن جهود الحكومة واجتماع رئيس الوزراء بشأن حوكمة النظام الضريبي (18 كانون الأول 2025)، (ب) تقارير الشركاء الاستشاريين وظهور شركة «أوليفر وايمن/Oliver Wyman» كشريك تقني، (ج) بيانات إيرادات وبيانات البنك المركزي والتحليلات الأكاديمية السابقة عن أوجه ضعف الإدارة الضريبية. المصادر الرئيسية مذكورة في نهاية المقال، والاستدلالات الكميّة مبنية على أرقام منشورة (إيرادات ضريبية، أحجام الشركات، معدل صرف) مع تحويلات محسوبة.
وصف الإخفاقات الإجرائية (تحليلي عملي)
-
هيكلة اللجنة وسلطة القرار
- المشكلة: لجان إدارية/استشارية تتكون من مزيج موظفين حكوميين ومستشارين خارجيين بدون صلاحيات تنفيذية أو أدوات تشريعية مقترنة (قوانين، مراسيم، أو آليات رقابية قابلة للتنفيذ). هذا يترك البرنامج طيّ عروض فنية و”باوربوينت” دون تحويلها إلى قوانين أو إجراءات إدارية ملزمة. (ملاحظة من بيانات الاجتماع الرسمي وظهور مستشارين دوليين كممثلين تقنيين)
- اختلال توزيع الاختصاصات والازدواجية
- المشكلة: تداخل مهام بين أجهزة: الهيئة العامة للضرائب، وزارة المالية، الأمانة العامة لمجلس الوزراء، والبنك المركزي في بعض الجوانب (مثلاً قواعد التسجيل والبيانات المشتركة). غياب آلية موحّدة لتبادل قواعد البيانات يعرقل الأتمتة ويمكّن التهرّب. (تدعمها دراسات إدارية وقانونية سابقة حول بنية النظام الضريبي في العراق).
- التركيز على الاستشارة الفنية دون بناء القدرات المحلية
- المشكلة: التفاف على عنصر “نقل المعرفة”—إحضار خبراء خارجيين (Oliver Wyman كمثال) لتقديم خطط وأطر عمل، لكن غياب خطة واضحة لتأهيل الكادر المحلي أو زيادة الموارد البشرية المؤهلة للتشغيل أو للاحتفاظ بالحلول بعد انتهاء فترة الاستشارة. هذا يترك أتمتةً نصف مكتملة أو حلولاً لا تُشغّل محليًا.
- ضعف إطار المتابعة وغياب مؤشرات أداء كمية ملزمة
- المشكلة: لا يوجد نطاق واضح للمؤشرات (KPIs) التي تقيس: التوسع في الوعاء الضريبي، خفض التهرب، زمن الإجراءات للمكلف، أو نسب التغطية الإلكترونية؛ وغياب آليات عقابية أو حوافز لتنفيذ التوصيات. النتيجة: تقارير مرحلية تُنجز بدون أثر رقمي قابل للقياس. (ملاحظة من مقارنة تجارب ناجحة في دول عربية تمّت مراجعتها في اجتماع رئيس الوزراء بحسب البيان).
٣. الأثر المحقق (عددياً قدر الإمكان — أرقام منشورة وتحويلات)
حالة الأساس
- إيرادات الضرائب (مذكورة في تقارير إعلامية رسمية): ~3.75 تريليون دينار عراقي (إجمالي الإيرادات الضريبية في تقارير 2024/2025 المنشورة صحفيًا).
- عدد الشركات المستهدفة المعلن عنها كهدف تسجيل: خطة لتسجيل 23 ألف شركة، بينما عدد الشركات التي تم محاسبتها ضريبيًا سابقًا صغير (مثلاً ~2,000 شركة في 2022 حسب المصادر المناقشة).
حجم الإيرادات مقابل حجم الاقتصاد
- تحويل تقريبي: 3.75 تريليون دينار ≈ 2.86 مليار دولار عند سعر صرف تقريبي ≈ 1,310 دينار/دولار (معدلات السوق/رسمية حول منتصف ديسمبر 2025). هذا يمثل نحو 1.1% من الناتج المحلي الاسمي إذا اعتبرنا الناتج المحلي ~260 مليار دولار (تقدير مصادر اقتصادية 2025). النتيجة: حصيلة ضريبية منخفضة جدًا بالنسبة لاقتصاد بحجم العراق، ما يشير إلى ضعف فعّالية الآليات الضريبية وقدرة الوعاء الضريبي على التوسّع. (الحسابات التحويلية موضحة هنا بالأرقام المنشورة كمراجع).
-
ثغرات في توسيع الوعاء الضريبي — أثر مباشر
- قراءة عامة للأرقام المنشورة تشير إلى أن تحسين تسجيل الشركات وتفعيل المحاسبة الضريبية للأنشطة غير المسجلة فقط (التي تُقدّر بعشرات الآلاف من المنشآت الصغيرة والمتوسطة غير المسجلة إلكترونيًا) يمكن أن يضيف — بحسب تجارب إقليمية نمطية — نسبة 20–50% على الإيرادات الضريبية غير النفطية خلال 1–2 سنوات من تطبيق إجراءات فعّالة. (تقدير تقريبي مبني على مقارنة نتائج تجارب دول عربية وبيانات الحكومة حول أهداف التسجيل؛ هو تقدير تحليلي وليس رقمًا حكوميًا مُعلناً).
-
خسارة فرص شفافية وعدالة
- نتيجة مباشرة لغياب آليات التنفيذ: استمرار فرقاء في السوق يدفعون ضريبيًا بينما نِطاق واسع من النشاطات غير مشمول. هذا يفاقم إحساس الظلم ويقوّي الفساد والتهرّب الضريبي، ويقلل ثقة المستثمرين في العدالة الضريبية — ما يضعف أثر أي إصلاح نظري على تصنيف الاستثمار. (ملاحظة استقرائية مبنية على أدبيات إصلاح الضرائب وتجارب دولية).
سبب الاخفاق الجوهري (خلاصة تحليلية مركّزة)
الإخفاق ليس في الفكرة (إصلاح الضريبة مطلوب).. بل في التحويل من خطة إلى سلطة تنفيذية: أي أن اللجنة صممت كهيئة استشارية/تخطيطية بدون تكليف تشريعي أو ميزاني/توظيفي واضح، ومعتمدة على شركاء تقنيين خارجيين كمقدّمين لحلول وليست شركاء تنفيذ أو ناقلين للمهارات. النتيجة: خطط جيدة على الورق، وأثر محدود في الميدان.
توصيات عملية قابلة للتطبيق (مباشر، قابلة للقياس)
- منح البرنامج صلاحية تنفيذية محددة زمنياً: قرار مجلس وزراء أو قانون مؤقت يمنح اللجنة أو فريقًا تنفيذياً صلاحية إصدار تعليمات تنفيذية داخل الهيئة العامة للضرائب لمدة مرحلية (مثلاً 18 شهرًا) مع آلية رقابية برلمانية.
- إلزام تحويل الاستشارات إلى عقود نقل معرفة: كل عقد استشاري (مثل مع Oliver Wyman) يجب أن يتضمّن مخرجات قابلة للقياس (نقل خبرة، تدريب 500 موظف، توحيد إجراءات في 9 دوائر إقليمية خلال 12 شهرًا).
- خطة فورية لتسجيل الشركات (Bootstrapping registration): استخدام قواعد بيانات البنك المركزي / السجل التجاري / البطاقة الوطنية لبدء حملة تسجيل إلزامي مرحلية تستهدف 23,000 شركة مُعلنة كهدف؛ قياس التقدّم شهريًا وأثر الإيرادات خلال 6 أشهر.
- مؤشرات أداء (KPIs) واضحة: أمثلة — نسبة التغطية الإلكترونية للمعاملات الضريبية، نسبة الشركات المُسجلة الجديدة، زيادة الإيرادات غير النفطية بالـ% كل ربع سنة. هذه مؤشرات تُستخدم لربط صرف الميزانية ودفعات المستشارين بمخرجات قابلة للقياس.
- آلية عقوبة / حوافز: فرض عقوبات إدارية على القصور المؤسسي، وحوافز مالية/تدريب للدوائر التي تحقق أهدافًا رقمية محددة.
- تدريج الأتمتة وفق أولويات عملية: أتمتة نقاط التماس ذات العائد الأعلى أولًا (التحصيل الإلكتروني، مطابقة الفواتير، تبادل البيانات مع البنوك)، وليس إجمالاً كل الدوائر دفعة واحدة. الدعم التقني يجب أن يرافقه تدريب ميداني مكثف.
الإصلاح الضريبي في العراق ممكن وملحّ، لكن تحويله من «برنامج استشاري» إلى «آلية تنفيذية ذات صلاحية» هو الشرط الضروري لنجاحه. استثمار بسيط في بناء القدرات وتشديد الإطار التشريعي والمتابعة يمكن أن يحوّل زيادات محسوسة في الإيرادات غير النفطية خلال 12–24 شهرًا، بينما استمرار دورة اللجان الاستشارية بدون صلاحيات سيبقي الأرقام كما هي — أو يتحسن الأداء بشكل شكلي فقط.


