قال ((توماس باراك)) سفير الولايات المتحدة لدى أنقرة والمبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا ((إن دول المنطقة يجب أن تقرر بنفسها شكل الإدارة الخاص بها)). وأشاد باراك بالشعب العراقي قائلا: “لا يوجد مجتمع أكثر تعليما وذو إرث وأصالة في العالم مثل العراقيين في بلاد الرافدين”.وتابع: “نترك القرار بالكامل لكم، لا شيء اسمه مركزية أو لامركزية أو فدرالية، هذه كلها أوهام لتلك الحكومات التي خلقت هذه الأشياء”. وأشار باراك إلى أن الولايات المتحدة ترى وجوب ترك مثل هذه القرارات لدول المنطقة، قائلا: “أيا كان القرار الذي تتخذونه، لديكم سياستكم، ولديكم ممارساتكم، ولديكم برلمان في وسط تلك العملية.. نحن معجبون بتلك العملية ونتركها لكم لتقرروا بشأنها”. وبعد استعراض تصريحات اوباما برز امامي التساؤل التالي: الى متى تظل الوصاية الامريكية على العراق بدون رادع؟
ان الاجابة على هذا التساؤل يحتاج تثبيت الملاحظات التالية:
كان في الأصل ((توماس باراك)) رجل أعمال أميركي من أصول لبنانية، في ربيع 2025 تحول إلى واحد من أبرز الوجوه في الدبلوماسية الأميركية بعد تعيينه سفيراً في أنقرة ومبعوثاً خاصاً إلى سوريا. وباراك، المعروف في عالم الاستثمار العقاري عبر تأسيسه شركة “Colony Capital”وصلاته الوثيقة بدوائر المال والسياسة في واشنطن والخليج، دخل إلى الحقل الدبلوماسي من باب غير تقليدي، مستنداً إلى شبكة علاقات اقتصادية واسعة وخلفية عائلية مشرقية تعزز فهمه لمجتمعات المنطقة. إلا أن شخصية ((توماس باراك)) أثارت جدلاً واسعاً، فغياب الخبرة الدبلوماسية التقليدية، إلى جانب سجله القانوني السابق وتصريحات مثيرة للجدل خلال زياراته لبيروت، جعلته عرضة لانتقادات داخلية وخارجية. وقضى ((توماس باراك)) سنوات طويلة في ملفات العقوبات، مكافحة التهريب، وإدارة الموارد الاقتصادية المرتبطة بالنزاعات،هذا المزيج من الأمني والاقتصادي شكّل ملامحه كـ”مدير عمليات”!!! يعرف كيف يضغط ويقدّم حوافز في آن واحد، أكثر من كونه وسيطاً يعتمد لغة المساومات الهادئة. واشنطن أرادت شخصية تحمل أكثر من قبعة: جزء منها يعود إلى وزارة الخارجية، وجزء آخر مرتبط بمجلس الأمن القومي والخزانة الأميركية. بهذه الطريقة، لا يكتفي بنقل الرسائل، بل يُشرف عملياً على صياغة رزم ضغوط وحوافز، ما جعله بالنسبة لخصومه “المفاوض–الشرطي” في آن واحد.
بالنسبة لباراك أن الاستقرار من وجهة نظر الادارة الترامبية هو الذي يضمن أمن الكيان الصهيوني أولًا، ويمنع بروز داعش مجددًا ثانيًا، ويمنح أميركا يدًا طولى في إعادة ترتيب خارطة النفوذ الامريكي الإقليمي.
3.أن من يحلل ماقاله ((توماس باراك)) تجاه العراق يصل الى متوالية للعقل الكونيالي الامريكي ولكن بطريقة تجميلية ملفتة للنظر خاصة عندما يقول “أيا كان القرار الذي تتخذونه، لديكم سياستكم، ولديكم ممارساتكم، ولديكم برلمان في وسط تلك العملية.. نحن معجبون بتلك العملية ونتركها لكم لتقرروا بشأنها”. وهو يريد أن يُعيد إنتاج التراتبية الاستشراقية ذاتها وإنْ بصيغة أكثر دبلوماسية. فهو يُظهر أمام العراق وكأن أمريكا ملاك مقدس!!!، ويرسل رسالة الى الداخل العراقي يقول فيها وبكل تبجح العراق لايستطيع إدارة أزماته إلا بتوجيهٍ أمريكي!!!، العبارات أعلاه تُجسّد ما يسميه الباحث ((روبرت كوكس)) بـ”الهيمنة عبر الإرشاد؛ إذ تتخفّى السيطرة خلف خطاب الشراكة والمساعدة. والعراق ساحة اختبار دائمة لفكرة “إعادة البناء من الخارج”.هذه المقارنات لا تعبّر عن مواقف سياسية بقدر ما تكشف عن بنية فكرية متكرّرة في العقل السياسي الأمريكي: أن العراق يُدار لا يُشارك.
تكشف قراءة تصريحات ((توماس باراك)) أن التحولات في السياسة الأمريكية تجاه العراق ليست مجرّد تعديلات ظرفية، بل إعادة تشكيل للعقل السياسي الأمريكي ذاته. فالخطاب يعكس انتقالًا من مركزية الجغرافيا إلى مركزية الهوية والمصلحة، ومن الولاء المؤسسي إلى اقتصاد الولاء، ومن القيم الأخلاقية كمرجعية إلى توظيفها كأداة للهيمنة الرمزية. كما يجسّد الخطاب تداخل الاستشراق الأمني والبراغماتية الاقتصادية في صياغة السياسة الأمريكية، حيث تتقاطع اللغة الأخلاقية مع المنفعة السياسية لتنتج رؤية تُعيد تثبيت مركزية الولايات المتحدة في العالم عبر ((الإرشاد لا الاحتلال، والهيمنة الرمزية لا القهر المادي)). وبذلك، تصبح تصريحات باراك وثيقة تحليلية تكشف عن مرحلة جديدة في التفكير الأمريكي: مرحلة الهيمنة الناعمة المقنّعة بالإرشاد، التي تواصل مشروع الاستثنائية الأمريكية بأساليب أقل صدامًا وأكثر تعقيدًا.
4.كيف يردع العراق الوصاية الامريكية؟ الجواب على ذلك يتمثل بالخطوات التالية:
أ-رغم نتائج الانتخابات العراقية الاخيرة لعام 2025والمضي بتشكيل حكومة وطنية منتخبة من قبل الشعب ، الا ان الولايات المتحدة ة الامريكية تحاول اثبات وجودها على الساحة العراقية ، بل وتأثيرها على مستوى القرار السياسي فيه من خلال التدخل في شؤونه الداخلية والضغط على الحكومة والكتل السياسية من اجل تمرير بعض القوانين والقرارات التي تخدم مصالحها في العراق.والوسيلة الافضل لمقاومة هذا الاتجاه الامريكي بانتاج حكومة وبرلمان يحتويان على((تيار الصقور)) تنفيذيا وتشريعيا له السطوة والاستمكان في انتاج مشاريع القرارات التي يمكن ان تقلل من سطوة الهيمنة الامريكية في الشان العراقي ويقف بالضد من التوجهات التدخلية الامريكية ويستخدم الضغط الشعبي في دعم اتجاهه ضد الهيمنة الامريكية التي تريد واشنطن زيادة امدها الى مالانهاية. اكثر من ((تيار الحمائم)).
ب-التخلص من الوصاية الاقتصادية الامريكية على واردات العراق المالية أذ سبق وأن أصدر الرئيس الأميركي الأسبق ((جورج دبليو بوش)) قراره المرقم 13303 لعام 2003 بدعوى حماية ((صندوق تنمية العراق))، الذي كانت ومازالت تودع فيه عائدات مبيعات نفطنا، بحجة الحفاظ على أموالنا من الملاحقات القانونية. واصبح هذا القرار ساري المفعول حتى يومنا هذا. فبعد مضي أكثر من عقدين ونيف ظلت الإدارات الأميركية المتعاقبة تجدد العمل بهذا الأمر التنفيذي الرئاسي، اضافة إلى أوامر أخرى تتعلق بالعراق. وأن هذه العقبات تشكل تهديدا غير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية للعراق .
موقع أمريكي متخصص في المال و الأعمال ( Watcher Guru ) يوضح طبيعة العلاقة المالية بين العراق وبين الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي( البنك المركزي الأمريكي ).”أن البنك الأمريكي يتمتع بصلاحية إتخاذ العديد من القرارات بشأن موارد النفط نيابة عن البنك المركزي العراقي . إذ تودع عائدات النفط العراقي كاملة بالدولار في بنك تابع للمركزي الأمريكي ، ويتم بعد ذلك تحويل الأموال من قبل الاحتياطي الفيدرالي إلى البنك المركزي العراقي. لذلك يتمتع الاحتياطي الفيدرالي بالنفوذ وسلطة اتخاذ القرار “جنباً إلى جنب ” ؟ مع مسؤولي الحكومة العراقية والبنك المركزي العراقي.
منذ عام 2023″.وبقدر أهمية المساعي الحثيثة لإنهاء الوجود العسكري الإجنبي في العراق ، فإن السعي لإنهاء الوصاية الأمريكية على موارد العراق النفطية أكثر أهمية ، إذ أن الوجود العسكري والوصاية على موارد العراق المالية حالتان تبقيان العراق مسلوب السيادة ، ضعيفا تعتريه مخاطر هيمنة النفوذ الأجنبي بأشكاله ومصادره كافة.
مساعي إنهاء الوصاية الأمريكية على موارد العراق النفطية يجب أن يتبناها البرلمان العراقي الجديد من قبل تيار الصقور الذي اقترحنا الدعوة اليه. فبالرغم من شبهات الفساد فإن صوت البرلمان العراقي الجديد يُعدُّ الأقوى المسموع . الحكومات العراقية المتعاقبة .. كم كشفت محاولاتها بالعمل على القضاء على الفساد … وما زالت تُوثّقُ وسائل الإعلام يوميا وقوع عمليات نهب المال العام. وعلى((اللجنة المالية)) الجديدة التي سينتخبها في البرلمان العراقي الجديد ان تتبنّى مطلبا شعبيا وحزبيا خلاصته مطالبة الحكومة العراقية الجديدة التفاوض مع الحكومة الأمريكية لإنهاء الوصاية على موارد نفط العراق المالية بصورة قانونية ومالية وان تكون نتائج المفاوضات واقرار تفاهمات مشتركة بين الطرفين هي خارطة الطريق القادمة التي يفرضها العراق مع واشنطن فيما اذا ارادت ان تبقي من نظرية اعتبار العراق حليفا امنيا واقتصاديا مهما في المنطقة.
ج-الاستمرار في انتاج مواقف عراقية حكومية صلبة تردع القرارات الامريكية ذات الثوب التدخلي في الشان العراقي التي تشيطن الكيانات السياسية التي فازت في الانتخابات البرلمانية الاخيرة ومحاولة تشويه سمعتها كما حدث في شهر اكتوبر/تشرين الاول 2025 وفي أول رد رسمي على العقوبات الأمريكية الأخيرة التي استهدفت شركة “المهندس العامة” وعدداً من الكيانات العراقية، أكدت الحكومة العراقية أن سيادة القانون هي خطها الأحمر، وأن العراق “يرفض أي وصاية أو تدخل خارجي في شؤونه الداخلية”.وقالت الحكومة في بيان رسمي إن القرار الأمريكي الأحادي “مؤسف للغاية” ويتنافى مع روح الصداقة والعلاقات التاريخية بين بغداد وواشنطن، مشيرةً إلى أن اتخاذ مثل هذه القرارات دون تشاور مسبق يشكل سابقة سلبية في التعامل بين الدول الحليفة.
د-جعل خيار المقاومة هو السلاح الاكثر وجعا ضد التدخل الامريكي في العراق وافهام ادارة ترامب المتهورة إن لمحور المقاومة سيبقى بالمرصاد لكل التوجهات الامريكية لقاء نفوذها في العراق لامد طويل والذي توفر ازاء ذلك غطاءا للكيان الصهيوني المجرم الذي لطالما سفك دماء المسلمين والعرب خاصة في فلسطين المحتلة ولبنان واليمن . فاليوم نحن نمتلك في العراق شباباً وشابات مقاومين فهموا مطامع واشنطن خصوصا الغرب عموما في العراق مما جعل محور المقاومة في الساحة العراقية أكثر حضوراً وطلباً في الشارع العراقي رغم محاولات واشنطن الخبيثة تسقيطه وازالته وازاحته من ذهن المواطن العراقي عبر الغزو الفكري والتضليل الاعلامي والاقلام والاصوات الماجورة والصفراء التي تعمل لصالح واشنطن والكيان الصهيوني المجرم صاحب نظرية الابادة الجماعية للشعب العربي الفلسطيني بامتياز.


