الديمقراطية على نارٍ هادئة: تجربة عراقية كثيرة الغليان

الديمقراطية على نارٍ هادئة: تجربة عراقية كثيرة الغليان
تعاني الديمقراطية العراقية من اختلالات بنيوية تتمثل في ضعف الثقة، وهشاشة الأحزاب، وضغط الاقتصاد، وتدنّي الوعي السياسي، وغياب النية الصادقة، ما يجعلها تجربة شكلية ما لم تُعالج بجدية وإصلاحات مؤسسية طويلة الأمد....

لا تزال الديمقراطية في مخيلة كثيرٍ من المجتمعات ومنها المجتمع العراقي وصفة جاهزة تشبه الوجبات السريعة التي تُطلب بالكلام أكثر مما تُطبخ بالفعل ، غير أنّ الحقيقة السياسية أكثر تعقيداً؛ فالديمقراطية مشروع طويل النفس يحتاج إلى نارٍ هادئة وصبرٍ أبرد من أعصاب حكماء الهند ومكوّنات لا يمكن إهمالها أو استبدالها بمساحيق تجميل انتخابية .

أولاً : الثقة… الخميرة المفقودة :

الديمقراطية ليست صندوق اقتراع يُفتح كل أربع سنوات ولا موسماً للخطابات التي تُشبه صفقات “الفساد” إذ يكثر الوعد ويقلّ الفعل فيها ، فالديمقراطية عقل قبل أن تكون ورقة وثقافة قبل أن تكون قانوناً وفي العراق ما تزال الثقة هي العنصر الأكثر ندرة؛ فالقانون الذي يُطبق على المسؤول قبل المواطن يبدو فكرة رومانسية أكثر من كونه ممارسة يومية

وحين يرى المواطن أن القانون يتغيّر بتغيّر القوى المتنفذة فيصبح من الطبيعي أن يصف الانتخابات بأنها “مهرجان موسمي” وأن يشبّه الديمقراطية بعجينة بلا خميرة… تكبر شكلاً ولا تنهض فعلاً !!.

ثانياً : الوقت… الدرس الذي نتعجّل نسيانه:

إن الديمقراطية مثل الطفولة التي تحتاج لسنوات كي تقف على قدميها وتتعرّض للتعثر والسقوط في كل مرة ، فالعالم كلّه مرّ بالمرحلة نفسها ، لكنه تعلم من أخطائه ، أما نحن “فنتعثر” ثم نلوم الأرض! ثم نكتب تقريراً يشرح أن العثرة كانت بفعل (الظروف) !.

العراق يمتلك وعياً سياسياً في طور التشكّل لكنه لا يزال محاصراً بعجلة نتائج سريعة ، وكأننا نريد ديمقراطية ناضجة خلال دورة انتخابية واحدة ، فالتجارب الرصينة تحتاج وقتاً… ونحن برغم ما نملكه من تاريخ نتصرّف أحياناً كديمقراطية حديثة الولادة على الرغم من مرور أكثر من 22 سنة على دخولنا هذه التجربة !!

ثالثاً : الأحزاب… بين الحضور الموسمي والحياة السياسية الحقيقية:

لا يمكن لأي ديمقراطية أن تستقيم من دون أحزاب حقيقية تعيش بين الناس لا بين المؤتمرات ، ففي العراق تتكاثر الأحزاب في موسم الانتخابات مثل اليرقات في الخصب السياسي ثم تنام بعدها سباتاً شتوياً طويلاً يستمر لأربع سنوات !!!.

فالحزب الجاد هو من يعرف مشاكل الناس قبل أن يبحث عن أصواتهم ويحوّل معاناتهم إلى برامج لا إلى شعارات، وما دام أغلب أحزابنا تعمل بأسلوب (نفتح أبوابنا في موسم الحصاد فقط) فسنظل في بداية الطريق ونكرر الدورة نفسها بلا تطور يذكر .

رابعاً : المواطن… أساس لا غنى عنه:

لا ديمقراطية بلا مواطن واعٍ فحين تغيب المعلومة يحضر التصويت العاطفي، والاختيار بدافع الولاء أو القرابة أو بدافع (النكاية) السياسية التي أصبحت هواية شعبية (بغضاً لأبيك).

إن وعي المواطن العراقي يتحسن ، لكنه لا يزال يواجه ضجيج الدعاية السياسية وضبابية المعلومات وصراع الروايات ، فكلما نقص الوعي زادت مساحة الشعارات على حساب البرامج الحقيقية .

خامساً : الاقتصاد… الوعاء الذي يحمل الديمقراطية :

الديمقراطية تحتاج حاضنة اقتصادية قادرة على منع الجوع من تحويل السياسة إلى غضب ، فأحداث تشرين 2019 كانت مثالاً واضحاً على ما يفعله الإحباط حين يتراكم بلا معالجة .

وعندما ينشغل المواطن في البحث عن لقمة العيش تصبح الديمقراطية رفاهية فكرية ، فازدهار الإمارات كان مثالاً على كيف يمكن للاقتصاد المتماسك أن يدعم الاستقرار السياسي ، أما العراق فما زال يبحث عن توازن يضمن له أن يحلم المواطن بالمستقبل لا بفرصة عمل طارئة .

سادساً : النية الصادقة… المكوّن الأكثر هشاشة:

الديمقراطية عقد اجتماعي والنية الصادقة شرط أساسي فيه ، أما إدخال الديمقراطية في بيئة غير مهيأة فذلك يشبه كثيراً زرع شتلة من غابات الأمازون في صحراء الربع الخالي ، فلدينا تجارب كثيرة أثبتت أن الشتلة هي التي تموت… لا الصحراء .

الخاتمة والتوصيات :

إن الديمقراطية العراقية لن تستقيم ما لم تُعالج عيوبها البنيوية برؤية جادة لا موسمية عبر إجراءات واقعية أهمها التالي :

1.تعزيز الثقة عبر قانون موحد لا يميّز بين مسؤول ومواطن .

2.تطوير الأحزاب السياسية لتصبح مؤسسات حقيقية منتجة للبرامج لا للشعارات .

3.رفع الوعي السياسي للمواطن بوسائل إعلام تعليمية مستقلة .

4.تحسين البيئة الاقتصادية لتقليل الاحتقان الاجتماعي ودعم المشاركة الواعية .

5.ترسيخ النية الصادقة لدى الفاعلين السياسيين عبر التزام فعلي بالإصلاح لا الاكتفاء بالخطابات .

بهذه المكوّنات فقط يمكن للديمقراطية العراقية أن تنتقل من مرحلة (العجين غير المختمر) إلى (خبز سياسي صالح للأكل… وللاستمرار) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *