طائرة اليرموك العراقية ودورها في إصابة الفرقاطة الأمريكية USS Stark

طائرة اليرموك العراقية ودورها في إصابة الفرقاطة الأمريكية USS Stark
يعيد النص قراءة حادثة إصابة الفرقاطة الأمريكية ستارك عام 1987، مرجّحًا تنفيذها بطائرة Falcon 50 عراقية محوّرة تحمل صاروخين Exocet، ضمن سياق حرب الناقلات، ويحلّل الأبعاد العملياتية والتداعيات السياسية لعملية تكتيكية ذات أثر استراتيجي....

١. المقدمة

شهدت حرب الخليج الأولى (1980–1988) تطورًا نوعيًا في أنماط القتال الجوي–البحري ولا سيما ضمن ما عُرف بـ«حرب الناقلات» التي مثّلت ساحة اختبار حقيقية لتكتيكات الضربات بعيدة المدى ضد الأهداف البحرية. وفي هذا الإطار برزت واحدة من أكثر العمليات الجوية غموضًا وإثارةً للجدل تمثلت في إصابة الفرقاطة الأمريكية USS Stark (FFG-31) بصاروخين من طراز AM-39 Exocet بتاريخ 17 أيار / مايو 1987.

وعلى خلاف الرواية الشائعة التي نسبت تنفيذ الهجوم إلى طائرة Mirage F1EQ تابعة للقوة الجوية العراقية تشير معطيات استخبارية وشهادات عراقية موثقة لاحقًا إلى أن المنفذ الفعلي للعملية كان طائرة Falcon 50 عراقية محوّرة حملت الاسم الرمزي «سوزانا» وعرفت عمليًا في الخدمة العراقية باسم «اليرموك».

وقد جرى تحوير هذه الطائرة خصيصًا لتمكينها من حمل صاروخين من طراز Exocet وتنفيذهما في ضربة واحدة وهو ما لا تتيحه قدرات طائرة Mirage F1EQ القياسية التي كانت تقتصر في تلك المرحلة على حمل صاروخ واحد فقط من هذا النوع الأمر الذي يعزز فرضية استخدامها كمنصة تنفيذ للعملية محل البحث.

٢. الخلفية العملياتية: حرب الناقلات وخط الحظر البحري

مع تصاعد وتيرة الهجمات العراقية على صادرات النفط الإيرانية خلال حرب الخليج الأولى أعلنت القيادة العراقية فرض منطقة حظر عملياتي بحري قرب السواحل الإيرانية واعتبرت أي هدف بحري يعمل داخل هذا النطاق هدفًا معاديًا مشروعًا. وقد جرى عمليًا إعلان منطقة استبعاد بحرية تمتد من شمال الخليج العربي باتجاه الموانئ والمنشآت النفطية الإيرانية مع تعميم التحذيرات الملاحية اللازمة عبر القنوات الدبلوماسية والملاحية الدولية.

ووفق هذا المفهوم العملياتي تم اعتماد القواعد التالية:

تُعدّ الأهداف البحرية المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو العاملة ضمن نطاق الاستبعاد أهدافًا معادية محتملة، تُعامل السفن العاملة خارج هذا النطاق بوصفها أهدافًا محايدة أو صديقة ما لم تُظهر مؤشرات سلوك عدائي أو خرقًا مباشرًا لإجراءات الحظر. وأدى تزايد الوجود البحري الأمريكي داخل مسرح العمليات إلى خلق بيئة اشتباك ضبابية عالية الخطورة رفعت احتمالات سوء التقدير والاحتكاك غير المقصود.

في المقابل أعادت إيران تنظيم منظومة تصدير نفطها عبر جزيرة سِري الواقعة في عمق الخليج العربي ما شكّل تحديًا عملياتيًا واستخباريًا مباشرًا للعراق تمثل في:

  • البُعد الجغرافي الكبير للهدف عن القواعد الجوية العراقية.
  • محدودية المنصات الجوية القادرة على تنفيذ مهام استطلاع بعيدة المدى والعودة بأمان.
  • النقص النسبي في طائرات الإسناد بالوقود جوًا وما يفرضه ذلك من قيود على التخطيط العملياتي للضربات العميقة.

٣. ولادة فكرة تحوير Falcon 50

أمام هذه المعضلات قدّمت مديرية الاستخبارات العسكرية العراقية حلاً غير تقليدي تمثّل في استخدام طائرة Falcon 50 الرئاسية الفرنسية الصنع والمخصصة أصلاً لنقل الشخصيات المهمة (VIP) وتحويلها إلى منصة استطلاع ثم منصة هجوم بحري.

 الاستخدام الاستخباري الأولي

  • تسجيل الطائرة كمدنية تحت رقم YI-ALE.
  • طلاؤها بألوان الخطوط الجوية العراقية.
  • تنفيذ رحلات «مدنية» عبر ممرات الطيران الدولي قرب جزيرة سِري.
  • تركيب كاميرات تصوير عالية الدقة والتكبير.
  • تجهيزات استشعار وتصوير.
  • أنظمة اتصال خاصة.
  • إجراءات لإخفاء الهوية العسكرية.
  • الحصول على معلومات حاسمة مكّنت السرب 81 (Mirage F1) من ضرب ميناء سِري في 18 آب 1986.

أما رواية تحويلها إلى منصة إطلاق Exocet AM.39 فقد بقيت محل جدل ولم تُثبتها التحقيقات الغربية أو الأمريكية أو تقارير البحرية الأمريكية الرسمية بعد حادثة USS Stark.

المؤكَّد أن الطائرة لم تُسجَّل رسميًا كمنصة هجوم بحري. لم يُعثر على بقايا أو بيانات رادارية تثبت إطلاق الصواريخ منها.

٤. التحوير القتالي: من طائرة VIP إلى منصة جو–سطح

نتيجة الحاجة لضرب أهداف بحرية كبيرة (ناقلات عملاقة وسفن حربية) بصاروخين متتاليين وبسبب محدودية الميراج في حمل صاروخ Exocet واحد فقط طلب العراق من فرنسا تحوير Falcon 50 لتكون قادرة على: حمل صاروخين AM-39 Exocet.، دمج رادار Cyrano IVM.، تزويدها بمنظومة تصويب مماثلة لطائرات الميراج وإعادة تصميم قمرة القيادة (مقصورتان: قتالية ومدنية).

وافقت فرنسا وتم إنجاز التحوير مطلع عام 1987 لتدخل الطائرة الخدمة باسم رمزي «سوزانا» والاسم العملياتي العراقي «اليرموك» ضمن تشكيل السرب 81.

٥. المهمة القتالية – 17 أيار 1987

أ. الإقلاع والمسار

  • انتقال الطائرة من قاعدة صدام (القيّارة) إلى قاعدة الوحدة (الشعيبة).
  • الإقلاع ليلاً بعد تلقي إشارة مشفرة: «دع الطائر يطير».
  • مسار طيران منخفض على طول السواحل الكويتية–السعودية–البحرينية.
  • انعطاف 90° باتجاه المنطقة المحظورة قرب إيران.

ب. الاشتباك

  • رصد هدف بحري متوسط الحجم على الرادار.
  • تقدير الهدف كناقلة نفط داخل/قرب منطقة الحظر.
  • إقفال الرادار وإطلاق صاروخ Exocet الأول.
  • إعادة إجراءات الإطلاق وإطلاق الصاروخ الثاني.
  • الانسحاب والعودة بسلام إلى قاعدة الوحدة.

ج.الموقف الجوي الإقليمي

رُصدت الطائرة العراقية متأخرًا، أُطلقت طائرات F-15 سعودية للاعتراض بتوجيه أواكس أمريكي وطبيعة الاشتباك والارتفاع المنخفض وسرعة الانسحاب حالت دون اعتراض فعال.

٦. نتائج الضربة على USS Stark

  • إصابة مباشرة بصاروخين في الجانب الأيمن أسفل الجسر.
  • الأول اخترق الهيكل ولم ينفجر لكنه أشعل حرائق وقود.
  • الثاني انفجر محدثاً فجوة بقطر 3–4.6 م.
  • مقتل 37 بحاراً أمريكياً.
  • خروج الفرقاطة من الخدمة نهائياً.
  • سحبها إلى البحرين وإجراء إصلاحات مؤقتة فقط.

٧. التداعيات السياسية والعسكرية

أعلن العراق أن الاستهداف غير مقصود، قدّم اعتذارًا رسميًا الى الحكومةالأمريكية، تعويض عائلات الضحايا بمبلغ 37 مليون دولار وكان بعتبر مبلغ كبير جدا في ذلك الوقت وغير منصف ، عدم معاقبة العراق عسكرياً، تشكيك أمريكي داخلي بنوع الطائرة المنفذة.لاحقاً فرض تنسيق غير معلن بين العمليات الجوية العراقية والبحرية الأمريكية في الخليج.

٨. شهادات عراقية موثقة

أكد اللواء الطيار علوان العبوسي في كتابه «نحن نعانق السماء: »تم تحويل طائرة Falcon 50 لحمل صاروخين Exocet ونفذت واجبات جو–سطح ناجحة بعيدة المدى وكان من بينها إصابة الفرقاطة ستارك بصاروخين عند دخولها منطقة الحظر.«

٩. المصير اللاحق للطائرة

ظهرت اليرموك علناً عام 1989 في عرض جوي، أُوقفت عن المهام بعد كشف أمريكي غير معلن، مع تسلّم Mirage F1 E6 عام 1988 تراجع دورها نُقلت إلى إيران عام 1991 مع طائرات عراقية أخرى.

١٠. الخلاصة والتقييم العسكري

تمثل طائرة اليرموك واحدة من أكثر مشاريع التحوير الجوي جرأة وابتكاراً في تاريخ القوة الجوية العراقية حيث: جمعت بين الخداع الاستخباري والضربة الدقيقة، كسرت قيود المدى والتسليح التقليدي. أثبتت فاعلية الفكر غير النمطي في الحرب. وشكّلت سابقة في استخدام طائرة رجال أعمال كمنصة هجوم بحري ثقيل.

إن حادثة USS Stark لا يمكن فهمها بمعزل عن هذا التحوير وتبقى مثالاً نادراً على نجاح تكتيكي–عملياتي ذي أثر استراتيجي جرى التكتم عليه لأسباب سياسية دولية.

المصادر

١.د – خالد سيد 2020-05-17 15:27:56 من أصاب المدمرة الأمريكية ستارك وتسبب فى إخراجها من الخدمة ؟ وكيف حدث ذلك؟ د – خالد سيد، مجموعة التحليل، القسم التاريخى بقلم خبير المعارك الجوية توم كوبر بالتعاون مع العميد صادق من مديرية الاستخبارات العسكرية السابقة

٢.ل ط ر د علوان حسون العبوسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *