منهج و رؤية

منهج و رؤية
يصف النص معاناة أهل الموصل تحت سيطرة الجماعات المتطرفة، وما تخلله من قمع، ونهب، وجرائم علنية، وتدمير للمجتمع والآثار، مع الإشارة إلى تواطؤ أو صمت عالمي، ويؤكد أن الشر الحقيقي يفقد العقل والرحمة....

إنّ النظر إلى الشر من جهة واحدة يجعل المرء يظنّ أنّ فهم الجرائم أمر سهل، لكن الحقيقة أن إدراك أسباب الشر وعلله يحتاج إلى تجربة ومعايشة. الذين سادوا العالم قديماً لم يكونوا أقوياء بالسلاح فقط، بل كانوا يملكون معرفة فطرية بالنفس الإنسانية، وهذا ما منحهم القدرة على التواصل والألفة والاستمرار. وعلى النقيض من ذلك أولئك الذين جهلوا روح الإنسان، كـ”نابليون” حين ظنّ أن القوة تكفي لكسر إرادة الشعوب، فسقط أمام حلم الإنسان بالحرية والسلام.

ومثل هذا الجهل نراه في الجماعات التي سيطرت على الموصل، فقد ثبت ضعف قوانينها لأنها بلا روح ولا عدل، تُفرض قسراً دون مراعاة لأحوال الناس النفسية والمعيشية. فرضوا الزكاة بالقوة على المحلات البسيطة، فأثقلت كاهل الناس وزرعت السخط في نفوسهم. وفرضوا الخمار الكامل على النساء، واللحية والإزار على الرجال، وأجبروا الموظفين والمعلمين على الدوام تحت تهديد العقوبات التي تصل إلى القتل.

حتّى العسكريون السابقون، الذين خدموا في الجيش والشرطة طلباً للرزق، أُجبروا على “براءة ذمة” وغرامات وصلت إلى ألف دولار، في وقت كان أغلبهم بلا عمل. رافقتُ صديقي ليدفع الغرامة في “جامع النقيب”، وهناك رأيت طابوراً طويلاً كطوابير الإعانات، لكنه هذه المرة طابور يدفع ولا يستلم إلا الإذلال. كانوا رجالاً بملابس أفغانية ولحى كثيفة، أحدهم يكتب المعلومات والآخر يجمع الأموال في حقيبة سوداء كبيرة مملوءة بالدولار والدينار. لا يسألون عن حال أحد، ولا يعنيهم سوى جمع المال، ثم يقدمون ورقة براءة ذمة كأنها فتات مقابل حياة مهددة.

هذه التصرفات لم تضيق على المواطن الموصلي رزقه فقط، بل كسرت نفسيته وروحه، لا سيما بعد انقطاع الرواتب عن عشرات الآلاف من المنتسبين. الدين، الذي هو يسر ورحمة، غيّبوه خلف تشدد غريب عن العدل والمعرفة، وأصبح التعامل معهم شذوذاً لا يمتّ للإنسانية بصلة. كانوا كتلة واحدة فكرياً، يراقبون الناس في الأسواق، يتابعون ملابس النساء، ولحى الرجال، ويضعون الغرامات حتى على المخالفات البسيطة. استولوا على بيوت المسيحيين والمهجّرين، وتركوا أصحابها للجوع والتشرّد في الخيام على أطراف أربيل ودهوك والسليمانية.

أما مسلسل القتل والرجم والذبح ورمي البشر من أسطح العمارات فكان يجري على مدار الأيام، يُصوّر باحتراف غريب بهدف غسل أدمغة الصغار وترهيب الناس. المصارف نُهبت بالكامل—الرشيد، الرافدين، خالد بن الوليد، أبي تمام، المصرف التجاري—ثم فجّرت بحجة الربا. أمّا الطامة الكبرى فكانت تفجير “جامع النبي يونس”، رمز الموصل الديني والسياحي، وتدمير “جامع الخضر” و”شيخ فتحي” و”النبي دانيال” و”قبر البنت”. المتاحف والآثار حُطمت؛ التماثيل التاريخية في باب الطوب ووادي حجر وساحة المحطة وغيرها أزيلت كأنها لم تكن.

هذه النكبات التي لحقت بالبشر والحجر هزّت وجدان الموصليين. العالم اكتفى بالضجيج الإعلامي، بينما كان الخراب يزداد. وظلت “بعشيقة” و”بحزانى” عصيتين عليهم حتى دخلوهما بعد قتال شديد، فاتخذها بعض الأجانب والعرب سكناً، فيما فرّ أهلها إلى الجبال أو إلى تركيا وأوروبا. حتى الذين أيدوهم أول الأمر انقلبوا عليهم بعدما رأوا الحقائق.

وفي أحد صباحات السوق، بينما كنت أشتري الخبز واللبن، توقفت سياراتهم قرب “ساحة سومر”. تجمع الناس، رجالاً وأطفالاً، وشكّلوا دائرة. أنزلوا رجلاً وامرأة مغطّي الوجهين. أعلن أحدهم أنهما ارتكبا الزنا، وأمر الناس بالرجم. كان بعض العناصر يصورون بكاميرات حديثة. رُجمت المرأة حتى هربت، فأمروا بتركها، ثم أخذوا الرجل المدمي. هذه المشاهد كانت تتكرر، تارة بالقتل بالرصاص، وتارة بضرب الرأس بقطعة “بلوكة”، وتارة بالرمي من أعلى “عمارة أورودي باك”. لا قانون ولا محاكمة؛ مجرد وحشية تُمارس علناً.

وحين قلّ عددهم لجأوا إلى الأطفال، خصوصاً الأيتام. دربوهم على القتل وغسلوا أدمغتهم، حتى عرضوا طفلاً يقتل رجلاً أمام الكاميرا بدم بارد. كان الهدف واضحاً: خلق جيل مشوّه الفكر، مسلوب الإرادة.

أما النفط الخام، فقد كان يُنهب من “مصافي بيجي” وغيرها بكميات لا تقدّر بثمن، تُنقل بشاحنات مستمرة إلى وجهات مجهولة. من يشتري؟ من يهرّب؟ تجار الحروب أم أطراف سياسية؟ العالم كله كان يتفرج. أين الطائرات التي تعهدت بحماية العراق؟ هل كانت شريكة في صفقات النفط كما بيعت أرواح البشر؟

منذ دخولهم الموصل أعلنت مخابرات دولية أن بقاءهم سيكون ثلاث سنوات في “المناطق السنية”. وكأنه عقاب السنة بالسنة، وكلهم يرفعون راية الإسلام. هذه المفارقات وحدها تكشف عمق الألاعيب العالمية في خلق الحروب وإدارتها وتنفيذها.

إن ما حدث في الموصل لم يكن مجرد احتلال مؤقت، بل جرح عميق في الذاكرة الإنسانية. الشر حين يفقد العقل والرحمة يتحول إلى آلة تلتهم الحياة، ولا يبقى أمام الإنسان إلا أن يتشبث ببصيص الأمل بأن ينجو ويشهد يوماً يروي فيه حكايته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *