أثر اضمحلال المواطنية على بناء الدولة

أثر اضمحلال المواطنية على بناء الدولة
اضمحلال المواطنية يُضعف الدولة ويعزز الانقسامات والفساد، بينما ترسيخها يعيد بناء العقد الاجتماعي والهوية الوطنية، ويحقق العدالة والاستقرار والتقدم. المواطنة شرط أساسي للدولة الحديثة ونجاح مشروعها الحضاري المستدام....

تُعدّ المواطنية في الدولة الحديثة إحدى الركائز الجوهرية التي يُبنى عليها العقد الاجتماعي وترتكز إليها شرعية النظام السياسي ومؤسساته، فهي الإطار الذي تتوازن ضمنه حقوق الأفراد وواجباتهم، والهوية الجامعة التي تتجاوز الانتماءات الفرعية نحو فضاء وطني مشترك يتشارك جميع الأفراد في صياغته وتنميته وصيانته، ولذلك فإن اضمحلال المواطنية أو تراجع حضورها في الوعي والسلوك الاجتماعي يُعدّ أحد أخطر العوامل التي تُعرقل عمليات بناء الدولة وتحول دون نهوضها الحضاري. ويظهر أثر هذا الاضمحلال بصورة واضحة عندما يتقدّم الانتماء الطائفي أو القبلي أو الحزبي على الانتماء الوطني العام، إذ تتفكك الروابط الجامعة بين المواطنين، وتتحول الدولة من إطار مشترك لمجموع السكان إلى مساحة تتنازعها القوى الجزئية، مما يؤدي إلى خلل بنيوي في منظومة السلطة وفي انتظام الحياة العامة وفي إدارة الثروة والموارد، فتغيب المصلحة العامة بوصفها بوصلة القرار السياسي، وتحلّ محلّها مصالح فئوية قصيرة الأمد لا تملك القدرة على حماية المجتمع أو دفعه نحو التطور. وفي هذا السياق، يظهر أن الدولة التي تضعف فيها المواطنية تتحول تدريجيًا إلى ساحة صراع نفوذ، إذ تتراجع سلطة القانون ليحلّ مكانها منطق القوة والانتماء، ويصبح توزيع المناصب والفرص قائمًا على أساس الولاء وليس الكفاءة، فتنهار قيم العدالة والمساواة والإتقان، وتتراجع الثقة بين المواطن والمؤسسة، ومعها تنحسر القدرة على التخطيط الاستراتيجي والإدارة الرشيدة، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى اهتزاز هيبة الدولة وضعف قدرتها على إنجاز مهامها الأساسية. كما ينعكس اضمحلال المواطنية على المجال الاقتصادي، إذ تنتشر الممارسات الريعية والمحسوبية والفساد الإداري والمالي، فلا يعود المواطن ينظر إلى الدولة بوصفها مؤسسته الجامعة، بل كغنيمة يجب اقتطاع جزء منها عبر شبكات النفوذ، ويفقد الاقتصاد الوطني آليات المنافسة الشريفة وبيئة العمل المنتجة، مما يُضعف الاستثمار المحلي والأجنبي ويحدّ من قدرة البلاد على النمو المستدام، وهذا بدوره يُفاقم البطالة والفقر ويُغذّي دوائر الأزمة الاجتماعية. وعلى المستوى الثقافي والقيمي، يقود تراجع المواطنية إلى إضعاف منظومة القيم العليا المشتركة التي تُشكّل أساس الدولة الحضارية الحديثة، مثل الحرية والعدالة والمساواة والمسؤولية والإتقان والتضامن والتعاون والثقة والسلام والإبداع، فالمجتمع الذي لا يرى في المواطنية هويةً جامعة سيفتقر بالضرورة إلى المشروع القيمي الذي ينظم علاقات أفراده ويُعطي الدولة معناها الحضاري ورسالتها الإنسانية، ومع ضعف المشروع القيمي يبرز خطاب الكراهية والانغلاق، ويختلّ ميزان الوعي العام، فتفقد الدولة قدرتها على بناء الإنسان المنتج والفاعل. إن استعادة المواطنية ليست عملية إدارية أو سياسية فحسب، بل هي عملية حضارية متكاملة تقوم على إعادة بناء العقد الاجتماعي وتثبيت الهوية الوطنية الجامعة، وإطلاق نظام تعليمي قيمي حضاري يُرسّخ في الأجيال معنى الانتماء الوطني والمسؤولية العامة، وتعزيز دولة القانون والمؤسسات التي تُعامل المواطنين على أساس المساواة وتكافؤ الفرص، كما تقوم على تطوير إعلام مسؤول يُسهم في ترميم الوعي العام ومكافحة الخطاب الطائفي والفرقي، إضافة إلى بناء اقتصاد منتج يُشعر المواطن بأنه شريك في الثروة وصانع في التنمية. وعليه، فإن بناء الدولة الحقيقية يبدأ من ترسيخ المواطنية بوصفها قيمة عليا وسلوكًا عامًا ومنظومة قانونية وثقافية تُعيد تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة على أساس المشاركة والثقة والمسؤولية، فالدولة التي تتجذر فيها المواطنية هي دولة قادرة على النهوض الحضاري، بينما الدولة التي تفتقدها تبقى أسيرة الانقسامات وضعف الفاعلية، عاجزة عن تحقيق التنمية والاستقرار والازدهار. وهكذا يتضح أن المواطنية ليست مجرد مفهوم سياسي، بل هي الشرط الحاسم لبناء الدولة الحديثة وإطلاق مشروع حضاري قادر على مواكبة العصر وصناعة المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *