الشيخ قيس الخزعليّ: بينَ السياسة والمقاومة

الشيخ قيس الخزعليّ: بينَ السياسة والمقاومة
تجربة الشيخ قيس الخزعلي تؤكد أن الجمع بين المقاومة والسياسة ضرورة لحماية الدولة وصون السيادة، مستلهماً نموذج السيد حسن نصرالله، حيث تتكامل المقاومة كسلاح مقدس مع السياسة كغطاء شرعي في معادلة توازن وطنية....

منذُ عقودٍ تشكَّلتْ الكثيرُ من الحركاتِ التي نراها اليومَ في العمليةِ السياسيةِ من رحمِ المقاومة، فقد كان تأسيسُها في الأصلِ استجابةً لمواجهةِ الطاغيةِ صدامَ، واستمرّتْ بعدَ سقوطِهِ لتكونَ جزءاً من معادلةِ حفظِ الوطنِ والهويةِ.

وبعدَ سقوطِ النظام برزتْ حركاتٌ جديدةٌ شكَّلتْ نفسَها على أُسُسٍ مقاومة قبلَ أن تدخلَ أروقةَ السياسة محاولةً استكمالَ مسارِ الدفاعِ عن الأرضِ والشعب، لكنها سرعانَ ما واجهتْ تحدّياتٍ مُعقَّدةً تتعلّقُ بالموازنةِ بينَ المقاومةِ ومتطلّباتِ العملِ السياسي.

دخولُ هذه الحركاتِ في المعتركِ السياسيِّ كشفَ عن معضلةٍ صعبة، وهي الجمعُ بينَ خطِّ المقاومةِ ومتطلّباتِ السياسة، وهو أمرٌ يحتاجُ إلى عقلٍ إستراتيجيٍّ وخبرةٍ عميقةٍ وقوّةِ قلبٍ استثنائية.

ولأنَّ السياسةَ بطبيعتِها بحرٌ متلاطمُ الأمواجِ، وجدَ الكثيرونَ أنفسَهم غارقينَ في مصالحِها وصراعاتِها، تاركينَ خلفَهم نهجَ المقاومةِ الذي وُلِدوا منه.

إلّا أنَّ سماحةَ الشيخِ قيسَ الخزعلي كان الاستثناءَ الأبرزَ، فقد نجحَ بامتيازٍ في الجمعِ بينَ المقاومةِ والسياسةِ، مُحافظاً على خطَّينِ متوازيَينِ يخدمانِ هدفاً واحداً حمايةَ الوطنِ وحفظَ الدولةِ.

لقد واجهَ سماحتُه سيلاً من الانتقاداتِ وتعرَّضَ للطعنِ من القريبِ قبلَ البعيد، لكنه بقيَ ثابتاً متمسِّكاً برؤيتِه، مؤمناً بأنَّ السياسةَ يجبُ أن تكونَ باباً لحمايةِ الدولةِ، والمقاومةُ سلاحاً مقدّساً لصونِ الوطنِ.

بهذا النهجِ قدَّم الشيخُ الخزعلي أنموذجاً فريداً في الموازنةِ بينَ الواجبِ السياسيِّ والواجبِ المُقاوم.

تجارب موازية إقليمية

وعلى الصعيدِ الإقليميِّ، نجحَ أيضاً سماحةُ السيّدِ حسن نصرُالله، “قدَّسَ اللهُ سرَّه الشريفَ” ، في لبنان، وباتَ أنموذجاً يُحتذى به على مستوى العالمِ بأسرهِ حينَ جمعَ بينَ الحكمةِ السياسيةِ وصلابةِ المقاومةِ، ليؤسِّسَ مدرسةً واقعيةً في إدارةِ التوازنِ بينَ المقاومةِ الشريفةِ والعملِ السياسيِّ المسؤول.

ومن هنا يتضح أن الجمع بين السياسة والمقاومة ليس مجرد خيار تنظيمي عابر، بل هو ضرورة وجودية لحماية الكيان الوطني من التصدع والانهيار. فالتكامل بينهما يخلق معادلة توازن دقيقة تصون السيادة وتمنع الانزلاق إلى الفوضى الداخلية أو الارتهان للخارج. إن هذا التوازن يمثل جوهر التجربة التي يقدمها الشيخ الخزعلي في واقع عراقي وإقليمي شديد التعقيد ومليء بالتحديات. ومن خلال هذا النهج يتجسد وعي استراتيجي عميق يجعل المقاومة سنداً للسياسة، والسياسة غطاءً شرعياً للمقاومة، في تكاملٍ متين لا ينفصم عراه. إنه نهج يرسم طريقاً للحاضر ويؤسس بوعي وصدق لمستقبل أكثر قوة وكرامة للأمة بأسرها.

إنَّ الجمعَ بينَ السياسةِ والمقاومةِ قِمَّةُ الشرفِ وذروةُ التضحية، فهو خيارٌ يتطلّبُ الإيثارَ والتخلّي عن كثيرٍ من المنافعِ المادّيةِ والمعنوية، سواءٌ على المستوى الاقتصاديِّ أو الاجتماعيِّ أو السياسيِّ.

وقد قدَّم سماحةُ الشيخِ قيسُ الخزعلي أنموذجاً عمليّاً يُحتذى به ليصبحَ نهجُه مادّةً تُدرَّسُ في كلّياتِ الشرفِ والكرامةِ،ويستلهمُه كلُّ من يسعى لمزجِ العزيمةِ بالمبادرةِ في المقاومةِ بالمسؤوليّةِ السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *