حين تهتزّ النفوس قبل أن تهتز الساحة .. أزمة مجتمع أمام كلمة عابرة

حين تهتزّ النفوس قبل أن تهتز الساحة .. أزمة مجتمع أمام كلمة عابرة
تُبرز الظاهرة كيف تتحول التصريحات الخارجية إلى شرارات داخلية بسبب هشاشة الوعي وتوظيف الإعلام والسياسة. وتؤكد أن معالجة الأزمة تكون ببناء الثقة وضبط الخطاب ووجود رجال دولة قادرين على امتصاص التوتر وتحويل الكلمات العابرة إلى أصوات غير مؤثرة....

تصريحات تـ.رامب ليست سوى مثال واحد على كيف يمكن لكلمة تُقال هناك… أن تهزّ أجواء هنا . كلمة لم تُقصد لنا، ولم تُلقَ في سياق يخصّنا، ولا كانت مرسلة لتحريك شارعنا، لكنّها مع ذلك أحدثت صدى واسعًا، وكأنها حجر سقط في بركة ممتلئة بقلوب مرتبكة لا بسطح ماء .

غير أنّ الحقيقة الأعمق ليست في الكلمة ذاتها، ولا في قائِلِها، بل في هشاشة بعض النفوس التي تشـ.تعل لأتفه الأسباب، وتتضخم فيها الأصوات قبل أن تتضخم الحقائق. النفوس الضعيفة ليست مجرد أرواح مرتعشة .. إنها أرض خصبة للفتـ.نة، تتلقّف كل تصريح وكأنه قدر مكتوب، وتحوّل كل كلمة إلى أداة حرب، وتتعامل مع كل حدث خارجي كأنه رسالة شخصية موجهة إليها . هذا النوع من النفوس، حين يُترك دون وعي، يصبح جاهزًا لاحتضان أي إثارة. يتفاعل مع الإعلام بلهفة، ومع الإشاعة برغبة، ومع الأخبار الصاخبة بانفعال يُشعل الشارع قبل أن يقرأ التفاصيل. وهكذا تتحول كلمة عابرة إلى أزمة، وتصريح عادي إلى تهديد، وتحليل سياسي إلى وقود يلهب المزاج العام .

ومتى ما اختلطت هذه النفوس المرتبكة بنيّات سياسية متكسّرة، تحولت التصريحات إلى معاول تُستخدم في لحظة، وتُسخَّر لخلق موجات من التوتر لا يُعرف سببها الحقيقي إلا لمن يدير خيوط اللعبة.

فالغاية هنا ليست فهم ما قيل، ولا قراءة خلفياته، بل تحويله إلى أداة للعب على مشاعر العراقيين، ودفعهم نحو موجات جديدة من التصعيد، وتوجيه الرأي العام نحو مسارات تخدم مصالح ضيقة دون اعتبار لثمن يُدفع من استقرار وطن بأكمله . وتبدأ اللعبة من نقطة صغيرة جدًا: تصريح خارجي. كلمة، جملة، أو موقف لا يتجاوز دقائق من خطاب سياسي. لكن سرّ التأثير لا يكمن في التصريح، بل في جاهزية الأرض التي يستقبلها. فالتصريح الخارجي لا يصبح شرارة إلا عندما تجد أمامها وقودًا حاضرًا، وقلوبًا ملتهبة، وإعلامًا يعرف كيف يخاطب الغضب قبل أن يخاطب الوعي .

والأطراف التي تتقن هذه اللعبة لا تُراهن على عقل الإنسان، بل على خوفه وغضبه وذاكرته المليئة بالجراح. تراهن على بيئة تبحث عن عدو، أو على جمهور يعيش محاطًا بالضجيج، جاهز لأن يرى في كل كلمة تهديدًا، وفي كل تصريح استهدافاً .

لكن حين تمتلك الساحة رجال دولة حقيقيين، أصحاب بصيرة لا أصحاب نـ.زق، يصبح أي تصريح مهما علا صوته .. مجرّد كلام عابر في زمن ممتلئ بالضجيج. رجال يعرفون أن السياسة ليست سباقاً في الردود، ولا ميدانًا للمزايدات، بل مسؤولية تحتاج إلى ثبات، وإلى قراءة هادئة للمشهد، لا إلى ردود انفعالية تُربك الداخل قبل أن تُرضي الخارج .

رجال الدولة الحقيقيون قادرون على امتصاص التوتر قبل أن يتشكّل، وعلى تحويل الأزمة إلى فرصة لرفع الوعي، لا إلى فرصة لرفع الأصوات. يضعون الكلمة في حجمها الحقيقي، ويقيسون أثرها بميزان الدولة، لا بميزان المناكفات .

فحين يكون الردّ الرسمي محسوبًا، وحين يكون خطاب الداخل متماسكًا، وحين يكون الإعلام وطنيًا منضبطًا، يسقط أي تصريح خارجي في مكانه الطبيعي .. صوت بعيد لايملك القدرة على التغيير اتجاه الوطن ولا اهتزاز روحه ولا يمكن فصل هذه الظاهرة عن سياق أوسع يعيشه العراقيون اليوم . فالمجتمع المرهق من تراكم الأزمات يصبح أكثر حساسية للكلمات، وأكثر استعدادًا للتفاعل مع أي حدث خارجي. وعندما تحيط به بيئة إعلامية مشحونة، وسياسة داخلية تقوم في كثير من الأحيان على ردّ الفعل، تصبح الكلمة أداة خطيرة قادرة على تحريك الشارع، وربما إعادة رسم المزاج العام خلال ساعات . وهنا مكمن الخطر .. أن تنتقل اللعبة من مستوةدى التصريحات السياسية الى معارك النفوس . فالنفس الضعيفة لا تملك قدرة على التمييز، ولا على قراءة المشهد، ولا على عزل الانفعال عن الواقع. تتأثر بالصوت العالي، وتثق بالضجيج، وتستسلم للخواطر المظلمة التي تُصوّر لها كل حدث خارجي كأنه استهداف مباشر.

وهكذا تُصنع الفوضى دون أن تُطلق رصاصة واحدة. غير أن هذه الهشاشة ليست قدرًا، وليست صفة ثابتة لا يمكن تغييرها. إنها نتيجة لتراكم طويل من الارتباك السياسي، وضعف في بناء الوعي، وتشتت في الخطاب العام. المجتمع الذي لا يمتلك خطابًا ثابتًا، ولا إعلامًا مسؤولًا، ولا ثقة راسخة بمؤسساته، يصبح أكثر عرضة للتفاعل غير المتزن. ولذلك فإن معالجة المشكلة لا تكون بالإنكار، بل بإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وبإعادة تعريف دور الإعلام لا كأداة تحريض أو منصة تسقيط، بل كجسر وعي يربط الحقائق بالناس دون تلوين أو تضخيم. إننا ندفع اليوم ثمن رعونة لا مبرر لها .. رعونة في الاستجابة السريعة، وفي التفاعل الغاضب، وفي استخدام التصريحات الخارجية كأنها سلاح سياسي داخلي.

ندفع ثمن نفوس لم تُحصّن بالوعي بعد، وثمن إعلام انشغل بالسبق على حساب الحقيقة، وثمن خطاب سياسي يرى في كل كلمة فرصة للخصومة لا فرصة للتعقل. والحل يبدأ من الداخل، لا من الخارج. فالكلمة التي تُقال هناك لا تملك القدرة على تحريكنا… إلا إذا كانت النفوس هنا قابلة للاشتعال. والتصريح الخارجي لا يملك أن يُشعل شارعاً .. إلا إذا كان هناك من يريد للشارع أن يشتعل. والأزمات لا تتضخم… إلا حين تُترك بلا عقل يُديرها، وبلا وعي يحيطها، وبلا دولة تمتلك رجلاً يعرف أن كلمة واحدة إن لم يُحسن وضعها في مكانها قد تفتح أبواباً من الفوضى لا تُغلق بسهولة .

إن العراق اليوم لا يحتاج إلى ردود غاضبة، ولا إلى خطابات مرتعشة، ولا إلى إعلام يبحث عن ضجيج . إنه يحتاج إلى وعي يسبق الانفعال، وإلى عقل يسبق الصوت، وإلى رجل دولة يعرف أن التحلي بالحكمة ليس ضعفاُ  بل هو أعلى درجات القوة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *