في الدول التي تُدار بعقل الدولة، تصنع السياسة القادة، وفي الدول التي تُدار بعقل الساحة، تصنع السياسة الترند . ومن هنا نفهم كيف تحوّل محسن عجيل، لاعب منتخب رشيده الدولي لباخ جص وبورك، من اسمٍ رياضي محدود التأثير إلى ظاهرة وطنية تتداولها المقاهي، وتتناقش حولها المنصات، وكأننا أمام فتحٍ مبين أو مشروع خلاص . القصة ليست محسن عجيل، القصة نحن . محسن لم يفعل أكثر مما يفعله كثيرون .. لعب كرة قدم شعبية، صرخ، اختلف، أثار الجدل، فصفق له الجمهور .
وهذا بالضبط ما يفعله السياسي اليوم ام من بعض يحلل السياسة .. يلعب بلا خطة، يصرخ بلا برنامج، ويخرج بعد كل خسارة ليعلن النصر المعنوي . السياسة عندنا لم تعد فن الممكن، بل فن الظهور .
لم تعد إدارة مصالح، بل إدارة مشاعر . لم تعد تخطيطاً. بل ارتجالاً يشبه مباراة تُلعب بعد العصر على أرضٍ ترابية، بلا خطوط، بلا حكم، وبلا اتفاق على عدد اللاعبين . السياسي الحديث والمستجد يشبه لاعب الساحات الشعبية .. يركض كثيراً ليقنعك أنه يعمل، يركل الكرة في أي اتجاه ليقال عنه جريء، وإذا اعترضت، اتهمك بأنك ضد الفريق، وضد الجماهير، وربما ضد الوطن نفسه . في كرة القدم الشعبية، لا أحد يسأل عن النتيجة، المهم من تشاجر، ومن كسر، ومن شتم الحكم . ومن صفق وطبّل ومن محلل السياسة، لا أحد يسأل ماذا تحقق؟ السؤال هو .. من هاجم؟ من اتهم؟ من أشعل الترند؟ محسن عجيل صار مشهوراً لأنه لعب الدور المطلوب في هذا الزمن .. دور الحدث بلا مضمون . كما يصعد سياسيون بلا مشروع، ويقودون جمهوراً بلا وعي، ويعدون بدولة بلا خارطة طريق .
السياسة تحولت إلى دوري مفتوح للهواة كل من يملك هاتفاً وخطاباً انفعالياً يصبح قائداً ، كل من يطلق تصريحاً نارياً يُحسب وطنياً . وكل من يطالب بالتخطيط يُتهم بأنه يلعب ضد الفريق . أما الدولة ؟ فهي المتفرج الوحيد الذي يدفع ثمن التذاكر والخسائر معاً .
الخطير ليس أن السياسة أصبحت كرة قدم شعبية، الخطير أنها أصبحت أسوأ نسخة منها . حتى في الساحات، تنتهي المباراة . أما هنا، فالمباراة مفتوحة، والأهداف تُسجل في مرمى الناس، والتصفيق مستمر رغم الهزائم . السياسي اليوم لا يريد أن يفوز، يريد أن يبقى في الملعب . لا يريد حلولاً يريد هتافاً . لا يريد دولة، يريد جمهوراً يصفق لكل ركلة طائشة . محسن عجيل سيغيب مع ترند قادم، كما غاب غيره، لكن المشكلة أعمق .. نحن نعيش في دولة تُدار بعقلية .. شدّ حيلك ، لا بعقلية .. أين الخطة ؟ .
السياسة لا تُلعب بالحماسة وحدها، ولا تُدار بالصراخ، ولا تُبنى بالارتجال. لكن طالما الجمهور يصفق للضجيج، ويُهاجم العقل، ويكافئ الفوضى، فلا تستغربوا إن بقي الوطن على دكة الاحتياط .
في النهاية، لسنا بحاجة إلى لاعبين أكثر، نحن بحاجة إلى مدرب يفهم اللعبة، وإلى جمهور يقبل أن يسمع الحقيقة، حتى لو لم تكن مضحكة .
أما تحويل السياسة إلى كرة قدم شعبية، فهو نكتة سوداء .. نضحك عليها اليوم، وندفع ثمنها غداً . وتبقى الساحة الاعلامية السياسية لبخ في لبخ.


