لم يكن إدراج حزب الله اللبناني المقاوم وحركة أنصار الله الحوثيين في قوائم الإرهاب ضمن جريدة الوقائع العراقية مجرّد
(سهوٍ إداري)
كما حاول رئيس الوزراء السيد محمد شياع السوداني تصويره، بل كان فعلاً سياسياً كامل الأركان، تحمل كل تفاصيله دلالة لا تخطئها عين، وتعيد فتح السؤال الكبير:
لصالح مَـن تُـدار بوصلات الدولة العراقية؟
السوداني اكتفى بتبرير باهت ومرتبك، وكأنّ الأمر لا يعدو كونه «خطأ فنياً»، لكنه تجاهَـل حقيقة أن الدول لا تُـخطئ في إدراج حركات مقاومة بحجم حزب الله وأنصار الله ضمن قوائم الإرهاب، ولا تُـصحّـح هذه الأخطاء بمجرّد تصريح، لأن إدراجاً كهذا يستلزم مخاطبات رسمية وقرارات وموافقات وتواقيع ولجاناً قانونية ..
وبالتالي فإن عذر السوداني كان أقبح من الفعل نفسه، لأنه حاول أن يمرّر على العراقيين رواية «الخطأ»، وكأنّ المؤسسات السيادية تتحرك بمعزل عن الإرادة السياسية، وكأنّ شعباً دفع دماءه ليتحرر من الاحتلال يقبل أن توضع حركات مقاومة حليفة في خانة واحدة مع التنظيمات التكفيرية.
إنّ موقفاً بهذا الحجم لا يمكن أن يكون زلّـة قلم، بل هو اتجاه سياسي ينسجم مع الضغوط الأميركية والخليجية لإعادة صياغة أولويات العراق، والابتعاد تدريجياً عن محور المقاومة الذي وقف مع العراق يوم كان الجميع يهرب منه.
شبح عادل عبد المهدي وعودة الخراب
أما المشهد الآخر الذي يثير قلقي فهو عودة السيد عادل عبد المهدي إلى واجهة اللقاءات السياسية وزياراته لعدد من الزعامات العراقية ..
هذا الرجل -بكل ما يحمله من فشل إداري وسياسي- لم يدخل موقعاً إلا وخرج منه البلد مثقلاً بالأزمات ..
من إستقالاته المُـتكررة نتيجة فشله فيها “وهو عراب التفريط بالحقوق العراقية النفطية” إلى حكومة فقدت السيطرة على الشارع، إلى منظومة فساد تمددت في عهده من داخل مكتبه، إلى ارتباك سياسي مهد الطريق لانهيارات متتالية ..
عبد المهدي كان ولا يزال نذير شؤم سياسي، وظهوره في أي ساحة يعني أن طبقة من السياسيين بدأت تبحث عن «حكم الظل» وعودة الصفقات خلف الستار.
ولذلك فإن زيارة عبد المهدي لأي شخصية سياسية لا يُـنظر إليها كمجرد اجتماع بروتوكولي، بل كإشارة إنذار مبكر:
هناك مَـن يريد إعادة تدوير الفشل القديم بثياب جديدة!
وهناك مَـن يستعد لصناعة «صفقة» لا مكان فيها للشعب ولا لمصالحه، بل لمعادلات خارجية تحكمها الضغوط والسفارات ومصالح المنتفعين ..
العراق بين فعلٍ خاطئ وعذرٍ أشدّ خطأ وأشباح الفشل
إن ربط المقاومة بالإرهاب لا يمسّ جهة خارجية فقط، بل يضرب روح العراق نفسه، ويضعف مكانته في منظومة التوازن الإقليمي، ويمسّ بالهوية السياسية التي صاغتها دماء العراقيين في مواجهة الاحتلال والإرهاب معاً ..
وإذا كان السوداني يظن أن العراقيين سيقبلون هذا التبرير الركيك، فهو يستخفّ بوعي شعب يعرف جيداً أين يقف، ومَـن يقف معه، ومَـن يضحّـي من أجله.
أما إشارات عبد المهدي، فهي ليست سوى ظلال ماضية تعود لتذكّـر العراقيين بأن الخراب له وجوه اعتادت الظهور عند كل منعطف خطير.


