ديون المقاولين: أزمة مُجمَّدة وقرارات مُرتجَلة تدفع بالقطاع إلى حافة الانهيار
تشهد الساحة الاقتصادية العراقية أزمة حقيقية بعد إعلان وزارة المالية عدم قدرتها على توفير السيولة اللازمة لصرف مستحقات المقاولين، الأمر الذي أدى إلى توقف شبه كامل للمشاريع الحكومية ومنح المقاولين مهلة 15 يوماً قبل اللجوء إلى الإيقاف الكلي. الأزمة ليست طارئة، بل هي نتيجة تراكمات في سوء إدارة المالية العامة، وغياب الموازنة الثلاثية، والتخبط الواضح بين السياسة النقدية والمالية، ما جعل القطاع مقيداً بين عجز السيولة وارتباك السياسات الاقتصادية، الأمر الذي يهدد الاقتصاد العراقي بشكل عام ويقود العديد من المشاريع إلى شلل شبه كامل.
حجم أزمة ديون المقاولين بالأرقام
وفق تقديرات مناقلات الوزارات وتقارير ديوان الرقابة المالية، فإن حجم ديون المقاولين المتراكمة يتراوح بين 7 – 9 تريليونات دينار غير مسددة، وأكثر من 4,000 مشروع في عموم العراق متأثرة مباشرة بعدم الصرف. المحافظات الأكثر تضرراً تشمل بغداد، البصرة، نينوى، النجف، وكربلاء، في حين أن نسبة الصرف الفعلي للمشاريع خلال 2024 – 2025 لم تتجاوز 32% بسبب غياب التخصيصات الفعلية. هذه الأرقام تكشف أن الأزمة هيكلية وليست ظرفية، وأن توقف المشاريع ليس نتيجة ظرفية عابرة بل انعكاس مباشر لفشل السياسات المالية والإدارية المتراكمة خلال السنوات الأخيرة.
أسباب الاختناق المالي
تتجلى أسباب الأزمة المالية الحالية في ثلاثة محاور رئيسية:
1- بدعة الموازنة الثلاثية 2025
اخفاق الحكومة في إرسال جداول الموازنة خلق فراغاً تشغيلياً وتمويلياً، أدى إلى تعطّل الصرف على المشاريع الاستثمارية، وزيادة الديون غير المغطاة، ما تسبب في تفاقم الأزمة وخلق بيئة غير مستقرة للقطاع المقاولاتي.
2- سوء إدارة السياسة المالية
يظهر سوء إدارة السياسة المالية من خلال اعتماد حكومي مفرط على التمويل الداخلي عبر المصارف الحكومية، وغياب خطط نقدية واضحة لتوفير السيولة، بالإضافة إلى توسع إنفاقي غير مدروس مقابل تراجع الإيرادات الفعلية، ما عمّق الأزمة وأدى إلى تفاقم ديون المقاولين وتوقف المشاريع.
3- الارتباك بين السياسة النقدية والسياسة المالية
البنك المركزي يعمل بعزلة عن وزارة المالية، حيث تركز السياسة النقدية على تشديد السوق ومراقبة الدولار، بينما تحتاج السياسة المالية إلى سيولة لتمويل المشاريع، ونتيجة لذلك يحدث تضارب وتنافر ينعكس بشكل مباشر على السوق والمقاولين ويؤدي إلى شلل شبه كامل في حركة المشاريع الاقتصادية.
تداعيات أزمة الديون على الاقتصاد العراقي
تتعدد تداعيات أزمة ديون المقاولين وتؤثر على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية:
توقف المشاريع = توقف الدورة الاقتصادية
توقف المشاريع الحكومية يخلق سلسلة انهيار تبدأ بتوقف المشاريع نفسها، ثم توقف رواتب العمال، يليها توقف مشتريات السوق، ما يؤدي إلى انخفاض السيولة التجارية وحدوث ركود عام. يقدّر أن كل 1 تريليون دينار يتم إنفاقه على المشاريع يخلق 40 – 50 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة، وبالتالي فإن توقف المشاريع يعني خسارة ما يقارب 200 – 250 ألف فرصة عمل حالياً، ما يعكس أثر الأزمة على النشاط الاقتصادي بشكل مباشر.
انخفاض القوة الشرائية للمواطنين
أزمة المقاولين تضرب القوة الشرائية عبر توقف أجور العمال اليومية، وتوقف سلاسل التوريد مثل الحديد والإسمنت والتجهيزات الأخرى، وارتفاع أسعار السلع نتيجة قلة الطلب وارتفاع الكلف التشغيلية. تشير تقديرات الأسواق إلى انخفاض حركة السوق بنسبة 30 – 35% خلال الأسابيع الأخيرة، مع ركود شبه كامل في أسواق المواد الإنشائية بنسبة 65%.
تراجع الثقة بالاقتصاد العراقي
الثقة المالية هي أهم عنصر لتعافي الاقتصاد، وغيابها يؤدي إلى إحجام المستثمرين عن دخول السوق، وعزوف المصارف عن تمويل المشاريع، وارتفاع مخاطر الائتمان على الحكومة، ما يزيد من تفاقم الأزمة ويجعل الحلول الطارئة ضرورة عاجلة لإنقاذ الاقتصاد من الركود الشامل.
الآثار على المصارف والسياسة النقدية
المصارف الحكومية عاجزة عن تمويل إضافي
المصارف الحكومية مثل الرافدين والرشيد تعاني أصلاً من التزامات متراكمة، وعدم كفاية رأس المال، وقروض حكومية غير مسددة، وأزمة المقاولين تعني أن المصارف فقدت أهم مورد حركة وهو الصرف الدوري للمشاريع، مما يزيد من صعوبة تمويل القطاع ويجعل الاعتماد على المصارف الحكومية غير مجدٍ إلا بعد تدخل حكومي عاجل.
السياسة النقدية في حالة دفاع
البنك المركزي يركز على ملفات الامتثال، والسيطرة على الدولار، وسد مزاد العملة (نافذة بيع العملة الأجنبية)، بينما الأزمة الحالية تحتاج تنسيقاً مالياً – نقدياً وليس معالجة منفردة، إذ إن أي عزلة بين السياسات النقدية والمالية ستفاقم الأزمة الاقتصادية وتزيد من خسائر المقاولين والمواطنين.
التداعيات المتوقعة خلال الأشهر القادمة
إن لم تتم معالجة الأزمة خلال 30 – 60 يوماً، فإن النتائج المتوقعة ستكون كارثية وتشمل تضاعف ديون المقاولين إلى أكثر من 12 تريليون دينار، توقف 60% من المشاريع الحكومية بشكل كلي، ركود في سوق البناء والإنشاءات بنسبة تتجاوز 70%، تراجع نمو الناتج المحلي بمقدار 1.5 – 2%، وانخفاض القوة الشرائية للمواطن بنسبة 20%. هذه المؤشرات تؤكد أن الوقت ضيق وأن عدم اتخاذ إجراءات عاجلة سيدفع الاقتصاد إلى مرحلة ركود شبه كامل.
الحلول العلمية العملية الممكنة
يمكن التخفيف من حدة الأزمة عبر مجموعة من الإجراءات العملية:
- إعداد موازنة طوارئ (Bridge Budget) لحين إقرار الموازنة الثلاثية.
- إطلاق صندوق تمويل المقاولين بضمانات حكومية قصيرة الأجل.
- إعادة جدولـة الديون وفق نظام الأولويات (90 يوم، 180 يوم، 365 يوم).
- تنسيق فعلي بين وزارة المالية والبنك المركزي بإنشاء “غرفة عمليات مالية نقدية مشتركة”.
- تفعيل الدفع الإلكتروني الحكومي للمشاريع لتسريع عمليات الصرف والتحقق.
إن أزمة ديون المقاولين ليست مجرد عجز سيولة، بل هي نتيجة مباشرة لغياب الموازنة، وسوء الإدارة المالية، وتعطّل السياسة النقدية، وارتباك حكومي واضح. تداعياتها تضرب القوة الشرائية، والسوق، والعمالة، والنشاط التجاري، والاستقرار الاقتصادي بشكل مباشر، وإن لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة، فإن الاقتصاد العراقي مقبل على مرحلة ركود شبه كامل ستكون لها آثار خطيرة على التنمية والاستثمار والثقة المالية.


