في خطوة وُصفت بأنها الأكثر إثارة للجدل خلال العام 2025، قررت لجنة تجميد أموال الإرهابيين – مكوّنة من محافظ البنك المركزي ومدير مكتب مكافحة غسل الأموال – إدراج حزب الله والحوثيين ضمن لائحة “الكيانات الإرهابية”، والشروع في تجميد الأصول المرتبطة بهم داخل النظام المالي العراقي. قرارٌ بدا وكأنه مرّ سريعًا من دون دراسة، ومن دون قراءة كافية لموقع العراق الجيوسياسي، ولا لحساسية توازناته الإقليمية.
قرار غير مدروس… والعراق في زاوية حرجة
يظهر من طبيعة القرار أنه استجابة مباشرة لضغوط أميركية، لا تحليلاً داخليًا لمخاطر حقيقية. فالعراق، الذي بنى جزءًا من سياسته بعد 2003 على مبدأ “مسك العصا من المنتصف” بين واشنطن ومحور المقاومة، يجد نفسه اليوم أمام خطوة تكسر هذا التوازن بالكامل.
بدل أن يكون العراق لاعبًا مستقلًا، بدا وكأنه ينفّذ أجندة لا تعكس مصالحه ولا حساباته، ما يضعه في:
- مواجهة مع حلفائه الإقليميين الذين يشكلون العمق السياسي والعسكري لعدد من القوى داخل العراق.
- ارتهان أكبر للضغوط الأميركية التي ستعتبر القرار مجرد بداية لسلسلة مطالب طويلة.
- تصعيد داخلي عبر فتح باب الاتهام بأن الحكومة تستهدف “رموز المقاومة”، رغم أن قرار اللجنة ذو طابع إداري مالي في الظاهر.
بلد المقاومة… يعزل المقاومة!
تاريخيًا قدّم العراق نفسه – أو قُدّم – بوصفه جزءًا من “محور مواجهة الإرهاب والاحتلال”، ويضم قوى سياسية واجتماعية تعتبر حزب الله والحوثيين “حركات مقاومة” لا “جماعات إرهابية”.
القرار الجديد يصنع انقلابًا في الخطاب الرسمي:
- من “دعم” أو “تعاطف” إلى تصنيف وتجريم.
- من شراكات سياسية محلية مرتبطة بهذه القوى إلى تضييق مالي وإداري تحت عنوان مكافحة غسل الأموال.
وهنا يبدو العراق وكأنه يوجّه ضربة لركيزة من ركائز توازنه الإقليمي، ويُرسل إشارة سلبية إلى الفاعلين الذين شكّلوا جزءًا من معادلة استقراره الداخلي منذ سنوات.
تناقضات وتضارب… من يحاسب من قرر؟
الأغرب هو غياب الشفافية. لم تُعلن اللجنة:
- الأسس القانونية التي اعتمدت عليها
- ولا تقرير المخاطر
- ولا الضمانات
- ولا تقييم التداعيات السياسية والأمنية والإقليمية
قرار بهذا الحجم يصدر من دون إحاطة حكومية، ولا استشارة للبرلمان، ولا حتى مناقشة داخل مجلس الوزراء.
هذا يفتح باب التساؤلات:
- كيف يُتخذ قرار سيادي ذي طابع استراتيجي عبر “لجنة مالية”؟
- هل يمتلك المحافظ ومدير المكتب صلاحية إطلاق قرار يعيد رسم موقع العراق الخارجي؟
- لماذا غابت وزارة الخارجية والأمن الوطني ومجلس الأمن الوطني عن الصورة؟
- وهل يُعقل أن يتحمل موظفون إداريون مسؤولية تغيير هوية العراق السياسية؟
النتيجة: خلل مؤسسي واضح، و“استسهال” اتخاذ قرارات حساسة بلا أي قراءة معمّقة.
العواقب الشعبية… والارتدادات النخبوية
-
على المستوى الشعبي:
- قابلية واسعة لاعتبار القرار انحيازًا للولايات المتحدة ضد قوى يعتبرها جزء من الجمهور العراقي “مقاومة”.
- توتر مذهبي وسياسي، وإعادة فتح ملفات الاستقطاب القديم.
- شعور بأن الدولة تخضع لـ“إملاءات خارجية” بدل أن تقود قرارها بنفسها.
-
على مستوى النخب:
- خبراء القانون والدستور: سيعتبرونه تجاوزًا لصلاحيات لجنة مالية.
- النخب السياسية: ستتعامل معه كرسالة تهديد لأحزاب تمتلك روابط فكرية وإقليمية بهذه القوى.
- مراكز البحث: ستشير إلى غياب تقييم المخاطر وغياب خارطة طريق مرافقة للقرار.
الإخفاق المتعاقب… العراق يكرر أخطاءه
هذا القرار ليس حدثًا معزولًا؛ بل يأتي ضمن سلسلة:
- قرارات مالية تصدر بلا دراسة
- تخبط بين السياسات النقدية والضريبية
- ضعف التنسيق بين الأمن القومي والمؤسسات المالية
- شعور عام بأن بعض القرارات تُتخذ فقط لتجنب عقوبة أميركية، حتى لو كانت تكلفة الامتثال أعلى من العقوبة نفسها
النتيجة: إدارة غير ناضجة لملف العلاقات الدولية، وافتقار للجرأة في صياغة سياسة مالية ذات سيادة حقيقية.
تداعيات مستقبلية خطيرة
-
ضغط أميركي متصاعد:
بعد تنفيذ الخطوة الأولى، ستأتي المطالب التالية:
– “ضبط الحشد”،
– “حصر السلاح”،
– “متابعة التحويلات المالية للأطراف المرتبطة بالمقاومة”.
العراق وضع نفسه على سُلّم تنازلات لا نهاية له.
-
اهتزاز العلاقة مع حلفاء نافذين:
هذا سيؤثر على ملفات:
– الطاقة
– التجارة
– الحدود
– إنتاج الغاز والكهرباء
– أمن المعابر
وخاصة مع دول وقوى إقليمية ترتبط مباشرة بحزب الله والحوثيين.
-
احتمال التصعيد داخل الساحة العراقية:
ليس بالضرورة تصعيدًا أمنيًا، ولكن سياسيًا وإعلاميًا واجتماعيًا، وقد يتحول إلى معركة نفوذ مفتوحة.
العراق اليوم أمام قرار مرتجل يعكس سوء تقدير، ويفتح الباب لرياح عاصفة أميركية قد تعصف بما تبقى من تماسك سياسي داخلي. لا يمكن لبلد يتعامل مع محيطه بمنطق “التوازنات الدقيقة” أن يصدر قرارًا بلا دراسة، يُصنّف به حلفاء تقليديين كـ“إرهابيين”.
المطلوب ليس تأييد طرف على حساب آخر، بل استعادة عقل الدولة:
- قرار مدروس
- تقييم مخاطر
- إشراك مؤسسات الأمن والخارجية
- وتحديد استراتيجية واضحة
أما قرارات ارتجالية كهذه فستُسجَّل بوصفها أحد أكثر إخفاقات عام 2025 خطورة على موقع العراق الإقليمي وهويته السياسية.


