لم تعد أزمة الخريجين في العراق مجرد ملف إداري متعثر أو مشكلة مؤقتة يمكن حلها بعدة قرارات من حكومة إلى أخرى بل تحولت إلى قنبلة اجتماعية وسياسية تهدد حاضر البلاد ومستقبلها. عشرات الآلاف من الشباب يدخلون الجامعات كل عام وهم يحملون حلمًا بسيطًا شهادة تفتح باب العمل والكرامة والاستقرار المعيشية لكنهم يصطدمون بعد التخرج بجدار سميك من الإهمال والفشل والوعود الرنانة . سنوات طويلة من الدراسة تنتهي بورقة معلقة على الجدار، بينما يقف الخريج في طوابير البطالة والانتظار والإذلال او الخضوع الحتمي لرغبات الاحزاب الفاسدة لتلبية مطالبهم من أجل الحصول على وظيفة.
الحكومة العراقية فشلت بصورة واضحة في استيعاب الأعداد الهائلة من الخريجين ليس فقط بسبب ضعف التخطيط بل بسبب طبيعة النظام الإداري والسياسي الذي بني على المحاصصة والفساد وإدارة الدولة بعقلية الغنيمة لا بعقلية التنمية والتطور الوزارات تحولت إلى مؤسسات مترهلة تفتقر للرؤية وتقودها شخصيات غير كفوءة ولاءها لمن ياتي بها وليس من اجل بناء الدولة الوطنية والتعيينات أصبحت تخضع للحسابات الحزبية والولاءات الضيقة بدل الكفاءة والاختصاص. آلاف الوظائف تمنح بالمجاملات السياسية بينما يترك أصحاب الشهادات والخبرات لمواجهة المجهول.
شباب العراق ضحية الاقتصاد الريعي
الأخطر من ذلك أن الحكومات المتعاقبة لم تنجح في بناء قطاع خاص حقيقي قادر على استيعاب الشباب. فالقطاع الخاص في العراق بقي هشًا مهمشاً وضعيفًا وتابعًا، لا يملك بيئة استثمار مستقرة ولا حماية اقتصادية ولا دعمًا حقيقيًا من الدولة الاقتصاد العراقي أغرق بالكامل بالاعتماد على النفط والوظيفة الحكومية، حتى انتشرت ظاهرة الاتكال في داخل المجتمع وصبح كل اهتمام الشباب نحو الوظيفة لتيقنهم أن القطاع الحكومي افضل بكثير من القطاع الخاص بسبب الاقتصاد الريعي الذي جعل كل شيء هش في هذا البلد وأصبحت الدولة هي المشغل الوحيد تقريبًا وعندما عجزت عن التوظيف انهارت المعادلة بأكملها. الشاب العراقي اليوم لا يرفض العمل في القطاع الخاص لأنه متكبر أو كسول كما يحاول البعض تصويره بل لأن هذا القطاع في كثير من الأحيان لا يوفر أبسط مقومات الحياة الكريمة رواتب متدنية غياب الضمان الصحي والاجتماعي ساعات عمل مرهقة وانعدام الاستقرار الوظيفي هيمنة الاحزاب وتفشي الإتاوات بالتنسيق مع الجهات الحكومية.
لقد أنتجت هذه السياسات جيشًا هائلًا من الشباب المحبط الغاضب شباب تسكن المقاهي للهروب من الواقع المظلم يشعر بأن الدولة تخلت عنه بالكامل خريج الهندسة يعمل سائق أجرة وخريج العلوم بائع في الأسواق، وخريج القانون يقضي سنواته بين المقاهي وصفحات التعيين الوهمية هذه ليست مجرد أزمة وظائف بل عملية سحق ممنهجة لطموح جيل كامل والأسوأ أن هذا الانسداد دفع الكثير من الشباب نحو الإدمان أو الانطواء أو حتى الانفجار الاجتماعي لأن الإنسان عندما يفقد الأمل يتحول إلى مشروع غضب مفتوح حتى استغلت اغلب الشباب من اجل ممارسات دموية بأجور بخسة لتصفية حساباتها واغتيال للمعارضيين لسياساتهم الهزلية والغبيه.
أجيال بلا أفق
اما يحدث اليوم في الشارع العراقي من احتجاجات للخريجين ليس ترفًا ولا استعراضًا إعلاميًا، بل صرخة شعبية ضد واقع مختنق. آلاف الشباب الذين يخرجون إلى الساحات لا يطالبون بالرفاهية، بل بحقهم الطبيعي في العمل والحياة. لكن السلطة غالبًا ما تتعامل مع هذه المطالب بعقلية التسويف والتخدير المؤقت لجان ووعود وتصريحات إعلامية ثم يعود كل شيء إلى الصمت ذاته وكأن الدولة تنتظر من الشباب أن يعتادوا الإحباط أو يختفوا بصمت.
إن الفشل الحقيقي لا يكمن فقط في عدم توفير الوظائف بل في غياب أي مشروع اقتصادي وطني ممنهج وواضح العراق يمتلك ثروات هائلة وإمكانات بشرية ضخمة لكنه ما زال عاجزًا عن خلق بيئة إنتاج حقيقية لا توجد صناعة وطنية قوية ولا زراعة مدعومة بشكل كافٍ حيث شاهدنا قبل ايام قليلة كيف مارست الحكومة تهميش الفلاحين ولا استثمارات تكنولوجية قادرة على خلق فرص حديثة. الدولة أنفقت المليارات بموازنات ضخمة خلال سنوات الطفرة النفطية لكن الجزء الأكبر منها ضاع بين الفساد والعقود الوهمية والمحاصصة السياسية بينما بقي الشباب يدفع الثمن وحده.
إن استمرار هذا الواقع يعني أن العراق يسير نحو أزمة أخطر من مجرد البطالة أزمة فقدان الثقة بين المواطن والدولة فالشباب الذين يشعرون أن وطنهم لا يمنحهم فرصة عادلة لن يؤمنوا بشعارات الإصلاح ولا بخطابات السياسيين كلما اتسعت المفاهيم بين الخريجين والسلطة، ازداد الاحتقان الاجتماعي وازدادت احتمالات الانفجار العراق لا يحتاج إلى خطابات عاطفية عن الشباب بقدر ما يحتاج إلى قرارات جذرية وشجاعة إعادة بناء الاقتصاد على أساس الإنتاج لا الريع دعم القطاع الخاص الحقيقي محاربة الفساد الذي يلتهم فرص العمل ربط التعليم بحاجات السوق لان التعليم هرم تلك المشكلة ، التعليم في العراق يهيئ الخريجين للقطاع الحكومي فقط بسبب سوء مخرجاته وغياب التدريب الحقيقي الى سوق العمل وليس الوظيفة وإيقاف التوسع العشوائي في التخصصات التي لا يحتاجها البلد . ومعالجة مشكلة الجامعات والكليات الأهلية التي اخذت المسار المادي والجشع بدلاً من المسار العلمي والمهني غير ذلك سيبقى آلاف الخريجين يتكدسون في الشوارع والساحات بينما تستمر الدولة في إنتاج الأزمات بدل حلها.
والمؤلم أن أخطر ما يخسره العراق اليوم ليس النفط ولا الأموال بل أجيال من الشباب التي كان يفترض أن يكون قوة بناء ونهضة للبلد فتحول بفعل الفشل السياسي والإداري.


