حين تلتقط عين المواطن العراقي صورة توزيع المقاعد النيابيّة بعد أي انتخابات، فإنّها تبدو في الوهلة الأولى معبّرة عن واقع بسيط: قوائم فازت وأخرى خسرت، ومقاعدٌ انتقلت إلى من نالوا ثقة الناخبين. لكنّ ما يحدث بعد هذا المشهد البصري مختلف تماماً؛ فالمشهد السياسي يتحوّل سريعاً إلى لعبة تحالفات تُعيد ترتيب المقامات، فتظهر كتلة جديدة «أكبر عدداً» لا على ضوء إرادة صناديق الاقتراع المباشرة، بل على ضوء حسابات تفاوضية ومصالح متداخلة، وكثيراً ما ينتهي الأمر بأنّ من تقدّموا انتخابياً لا يحصلون على موطئ قدم في الحكم. هذا الواقع ليس ظاهرة فُجائية، بل هو نتاج دستور وعادات سياسية وتركيب طائفي وموازنات قوى داخلية وخارجية، ويستدعي قراءة نقدية صريحة تتجاوز الانفعال الشعبي لتصل إلى صلب المشكلة.
الكتلة الأكبر والتحالفات
الدستور، بلغة المادة 76 تحديداً، يحمِل منطقاً تقنياً يقدّس فكرة «الكتلة النيابية الأكثر عدداً» كمقياس لتكليف تشكيل الحكومة. يبدو هذا النص غاية في الحيادية الشكلية، لكنه عملياً يترك ثغرة لأسئلةِ الهوية الجماعية داخل البرلمان: ما معنى «الكتلة»؟ هل هي القائمة التي نافست مع برنامج محدد ونالت أصواتاً مباشرة؟ أم هي تحالف ما بعد الانتخابات يجمع عدداً كافياً من النواب؟ في العراق سرعان ما انتصر البعد الثاني. المحكمة الدستورية، والتشاور السياسي اليومي، جعلا من حقّ تشكيـل الكتلة الأكبر عملية انتقائية وتفاوضية أكثر منها انعكاساً لحساب عدد الأصوات الشعبية. النتيجة المنطقية: دستور يُعطي شرعية لمرحلة ما بعد الانتخابات، ومرحلةٌ تبرمج فيها الوقائع السياسية على قاعدة التفاهم بين أطراف متباينة المصالح.
لكنّ السؤال الأخلاقي والسياسي الأكبر هنا: هل هذا ينسجم وروح الديمقراطية؟ الديمقراطية ليست فقط احتساباً رقمياً للمقاعد أو إجراء صناديق، بل هي كونها نظاماً تعطى فيه الإرادة الشعبية أثرها العملي في اختيار الذين يحكمون. عندما تصوّت جهة ما بأغلبية نسبية، فإذا كانت هذه النتيجة لا تُترجم إلى قدرة على تشكيل حكومة بسبب تقاطعات طائفية أو حسابات محاصصاتية، فإنّنا أمام تشويشٍ في العلاقة بين المواطنة والسلطة. ليس جديداً أن تكون الديمقراطية في البلاد ذات الأنساق المتعددة الهويات والتوازنات الطائفية «توافقية»، غير أنّ التوافقية حين تتحوّل إلى آلية لمنع تنفيذ إرادة صناديق الاقتراع تصبح قبعةٌ شرعية لصفقاتٍ لا تحمل برنامجا مدنياً واضحاً ولا رؤيةً وطنية متسقة. هذا يفضي إلى خسارة ثقة الجمهور في السياسة، وإلى تغذية شعور القهر واللامعنى.
من ناحية بنيوية، النظام الانتخابي نفسه جزءٌ من المشكلة. الانقسام بين دوائر صغيرة، تعدّد قوائم ومقاعد متقاربة، يجعل من الصعوبة بمكان أن يولّد النظام حزباً وطنياً قوياً قادراً على حشد أغلبية مستقرة. الأحزاب العراقية تاريخياً ليست أحزاباً برامجية بالمعنى الكلاسيكي، بل هي تحالفات سلطوية تمثل مصالح مجموعات اجتماعية أو زعامات إقليمية، وغالباً ما تدار عبر آليات توزيع المنافع والوظائف. عندما يكون السياق السياسي كذلك، يصبح بناء التحالفات بعد الانتخابات مسألة محورية؛ فالأحزاب الصغيرة تتصرف كـ«مُوازِن» قادر على قلب معادلة الأغلبية عبر تحويلها إلى تكتّل أكبر. هكذا تتحوّل خسارة الصندوق إلى فوز عملي إذا ما نجح الخاسرون في ربط مصالحهم مع آخرين.
الضغوط والنفوذ الخارجي
لا يمكن أيضاً تجاهل عامل الفيتو الطائفي والآليات غير المكتوبة التي تمارسها المكوّنات الأساسية: الشيعة، السنة، الأكراد. في واقعٍ يظل فيه لكل مكوّن حساسية وجودية وسياسية، يصبح تشكيل الحكومة مسألة توازن لا تُحسم بالعدّ العددي فقط، بل بالقدرة على استيعاب كل طرف أو على الأقل ضمان عدم إقصائه. هذه الحيطة الأمنية والسياسية قد تكون مفهومة تاريخياً، لكنها اليوم تبرّر شللاً يعيق إمكان بناء دولة مؤسساتية تتجاوز المحاصصة وإرث الصراع.
أما التدخلات الإقليمية والدولية، فهي عامل آخر يمدّ اللعبة بيد خارجية. تفاهمات إقليمية قد تدفع باتجاه تحالفات بعينها، ونفوذٌ خارجي قد يفضّل أطرافاً على أخرى حسب حساباته. حين يلتقي ذلك مع ضعف الأحزاب وبراغماتية النخب، يتحوّل المشهد إلى سوق للصفقات تتخطى بخطابها المصلحة العامة وإرادة الناخبين. النتيجة: مشهد سياسي يظهر شرعية دستورية لكنه عملياً يختزل القرار في كيانات لا تتقاطع بالضرورة مع رغبة البسطاء الذين صوتوا للتغيير.
كل هذا لا يعني أنّ المسألة بلا علاج. لكن الحل يحتاج إلى مقاربة مزدوجة: إصلاحات فنية ودستورية وسياسية متزامنة مع بناء ثقافة حزبية ومواطنة جديدة. دستورياً، يمكن أن يُعاد تفسير أو تعديل المادة 76 لتوضيح مرجعية «الكتلة الأكثر عدداً» بحيث تُربط بنتيجة الانتخابات أو بوثائق تحالف مكتوبة تسبق جلسات البرلمان. تغيير النظام الانتخابي إلى نظامٍ يحفّز الأحزاب الوطنية الكبيرة ويقلّل من التشتت يخفف من قدرة التحالفات الصغيرة على قلب النتائج.
سياسياً، يتطلب الأمر مساعٍ لبناء أحزاب مؤسسية برامجية قادرة على عقد التزامات واضحة تجاه الناخبين، وليس على شبكة مصالح مُعطّلة. ثقافياً، ينبغي تشجيع مناخ عام يرى في الديمقراطية أداة لتحقيق العدالة وتوزيع الفرص، وليس مجرد طريقة للمقايضة على المناصب.
الأهمّ من ذلك أن تُعطَى العملية السياسية بعد الانتخابات وضوحاً والتزاماً بمعايير الشفافية: أن تُعلن التحالفات بوضوح، أن تُعرض اتفاقيات التهيئة لتشكيل الكتلة الأكبر على الملأ، وأن تكون هناك قواعد دستورية تمنع استغلال فترات الفراغ للمناورات التي تقوّض إرادة الاقتراع. دون ذلك ستبقى الانتخابات مسرحية تُنتج خارطة تمثيلية، يُعادُ تشكيلها لاحقاً داخل غرف تفاوض تُكرّس منطق التفويض الجزئي وتُضعف سلطة المواطن.
أخيراً، ثقل التجربة العراقية يكمن في أنّها مرآة لصراعٍ بين الديمقراطية كشكل والديمقراطية كمضمون. إن كانت الانتخابات وسيلة لتجديد العقد الاجتماعي، فلا بدّ أن تكون نتائجه قابلة للتحول إلى برامج حكم قابلة للتطبيق. أما إذا غلبت على العملية مفاهيم الترتيب الطوائفي والمصالح الموزونة، فإنّ الديمقراطية ستبقى قاب قوسين أو أدنى من أن تتحوّل إلى آلية لإعادة توزيع النفوذ، لا إلى أداة لإرضاء تطلعات المواطنين في دولة عادلة ومستقرة. تلك هي الجبهة الحقيقية للمعركة: ليست فقط بين فائز وخاسر في انتخابات، بل بين إرادة الشعب وبين شبكة المصالح التي تعيد تشكيل نتائجه بعد أن تنتهي الصناديق من إعلانها.


