المقدمة:
الهجوم على حقل كور مور الغازي في السليمانية لم يكن حادثًا أمنيًا عابرًا، بل رسالة سياسية مركّبة تكشف حجم التنافس على مستقبل الطاقة في العراق. فالحقل، الذي يُعد أكبر مشروع غازي في إقليم كردستان ويغذي أكثر من ثلثي احتياجاته من الكهرباء، يمثل ركيزة أساسية في مسار الاكتفاء الذاتي، وخطوة أولى نحو قدرة الإقليم على التحول إلى مصدر للتصدير. أي ضربة توجه له تعني عمليًا تعطيل الإنتاج، تأخير مشاريع التصدير، وخلق مناخ أمني غير ملائم للاستثمار، وهو ما يخدم أطرافًا لا ترغب في أن يصبح الإقليم لاعبًا مستقلًا في سوق الطاقة.
لماذا كور مور تحديدًا؟
– يمثل الحقل حجر الأساس في استراتيجية الغاز الكردية.
– أي تعطيل له يعرقل قدرة الإقليم على إنتاج الغاز داخليًا.
– يعزز اعتماد الإقليم على خطوط النقل والممرات الإقليمية.
– يخلق بيئة طاردة للاستثمار الأجنبي.
تركيا… المستفيد الأكثر وضوحًا
تركيا تظهر كأحد أبرز المستفيدين من ضرب مشاريع الغاز في شمال العراق، وذلك لعدة أسباب:
1.رفض المسارات البديلة
أنقرة لا تريد أن يبني الإقليم منافذ خارج نفوذها، لأن ذلك يضعف ورقة الضغط التي تمتلكها تاريخيًا كممر شبه حصري لصادرات الإقليم نحو المتوسط. نجاح الإقليم في الاستثمار بالغاز يمنحه قدرة على التخلص من الضغوط التركية والجشع الاقتصادي، ويتيح له فتح مسارات جديدة للتصدير، وهو ما يهدد النفوذ التركي المباشر.
2.من ممر إلى شريك
تركيا تسعى منذ سنوات للانتقال من مجرد ممر إلى شريك في الثروة، عبر التحكم بالأنابيب، فرض اتفاقات طويلة الأمد، وربط اقتصاد الإقليم بحلقاتها التجارية.
3.زيادة القدرة على الابتزاز
كلما زادت حاجة الإقليم لتركيا، زادت قدرة أنقرة على فرض شروطها، كما فعلت سابقًا باستخدام ورقة المياه مع بغداد. الهجمات على البنى التحتية تعني تعطيل الإنتاج، تهديد الاستثمار الأجنبي، وارتفاع كلفة الحماية، ما يجعل الإقليم مضطرًا للتعامل مع تركيا بشروط غير مريحة.
البعد الأميركي ـ الداخلي
هناك من يرى أن الهدف النهائي من هذه الهجمات هو التأثير في التوازنات السياسية داخل بغداد، خصوصًا بعد الانتخابات التي أفرزت كتلاً قادرة على تشكيل حكومة مستقرة دون الحاجة إلى بعض القوى التي كانت تراهن على دعم خارجي.
– تخريب مشاريع الطاقة في الإقليم قد يُستخدم كأداة لتحريك المواقف الأميركية.
– يُصنع انطباع بأن الاستقرار مهدد، ما يدفع واشنطن لتشديد ضغطها على الأطراف الشيعية.
– يعاد توزيع الوزن السياسي لصالح أطراف تبحث عن دور أكبر عبر البوابة الأمنية.
لماذا الآن؟
التوقيت ليس صدفة، بل يأتي في لحظة حساسة:
– الإقليم يقترب من تعزيز إنتاجه الغازي.
– شركات أجنبية توسع عملياتها.
– بغداد تحاول المضي بحكومة أكثر استقرارًا.
– تركيا تواجه تحديات اقتصادية وتبحث عن مصادر نفوذ جديدة.
– واشنطن تعيد تموضعها في ملفات الطاقة بالمنطقة.
الخاتمة:
الهجوم على حقل كور مور ليس مجرد عمل عسكري تقليدي، بل رسالة استراتيجية متعددة الأطراف. المؤشرات تتقاطع نحو أن هناك من لا يرغب بأن يمتلك الإقليم قدرة غازية مستقلة، ولا بأن يتحول العراق إلى بيئة طاقة مستقرة.
تركيا تبدو من أكثر الأطراف التي تستفيد من منع الإقليم من بناء قدرة غازية قوية، لأنها تفقد حينها دورها الاحتكاري كممر، وتخسر ورقة الضغط الاقتصادي، وتضطر للتعامل مع شريك يمتلك بدائل لا يمكن التحكم بها.
لذا فإن الضربة يمكن قراءتها كحلقة من سياسة إعادة ضبط النفوذ في شمال العراق، حيث تتداخل المصالح المحلية والإقليمية والدولية لإعادة رسم شكل العلاقة بين الطاقة والسياسة في المنطقة.


