يبدو أنّ قول الإمام عليّ (ع) (الكلّ يراك بعينِ طبعه ، فلا تنتظر من الخبيث أن يراك نقيّاً ، ولا من البخيل أن يراك كريماً ، ولا من المنافق أن يراك صادقاً) ، لم يُقَل للحكماء والمتصوفة فقط ، بل كان – دون قصد – وصفاً دقيقاً لمشهدنا السياسي والاجتماعي في هذا البلد ؛ ذلك المشهد الذي تكاثرت فيه فصائل (المتملقين) وتناسلت فيه سلالات (المنافقين) حتى صاروا أكثر عدداً من القوانين التي لم تُطبَّق الى يومنا هذا ، وأسرع انتشاراً من الوعود التي أطلقها السياسيين والحكومة ولم تتحقق .
المنافق في عالم السياسة
المنافق في عالم السياسة ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة كما تُدرَس الكائنات الغريبة ، فهو يرى السياسيَّ الفاسد «مُصلِحاً» ويرى المسؤولَ المقصّر «قائداً تاريخياً» فقط لأنّ طبعه الملتوي لا يطيق رؤية الحقيقة إلاّ مقلوبة ، أمّا حين يراك أنتَ – المواطن المسكين – تتكلم بصراحة أو تنتقد خللاً ، فهو فوراً يصنّفك «هادماً للاستقرار» و«ناقماً على الإنجازات» مع أنّ الإنجاز الوحيد الذي شاهده الناس هو قدرة الحكومة والأحزاب السياسية على تغيير الشعارات أسرع مما تغيّر الطقس .
“المتملّق السياسي” يشبه مرآةً مُزوّرة :لا تعكس صورة من أمامها ، بل تعكس ما يريده صاحب المنصب أن يراه ، ولهذا تراهم “يتقافزون” أمام المسؤولين مثل فرقة موسيقية لا تجيد العزف لكنها تتقن التصفيق ، فإن قال السياسي كلمةً عابرة ، رأوا فيها «مبادرة استراتيجية» وإن تنفّس ، عدّوه «مشروعاً إصلاحياً للتنمية المستدامة في قطاع الهواء» .
أما “المنافقون” فهؤلاء نوعٌ آخر من التحف البشرية :
يظهرون في صفحات الإعلام كأنهم حمائمُ سلام فوق أسلاك الكهرباء ، وحين تُفتَّش خطاباتهم تجد أنّ صدقهم أقلّ من وجود الكهرباء نفسها!! ومع ذلك لا تستغرب : فهم يرون في السياسيين مناقبَ لا يراها أحد ، لأنّ عيونهم مُبرمجة مسبقاً على الثناء ، تماماً كما تُبرمج أجهزة الإنذار على إصدار الضجيج… مع فارق بسيط : “أجهزة الإنذار مفيدة” .
وقد قال بعض الحكماء في وصفهم:
يمدحُ من يملكُ المالَ والنفوذَ
ولو كان في مدحهِ ظُلمُ العبادِ
ويذمُّ حرّاً يقولُ الحقيقةَ صدقاً
لأنّ الحقيقةَ تُربكُ أهلَ الفسادِ
والمشكلة ليست في المنافق نفسه ، بل في قدرته العجيبة على خلق واقعٍ موازي ، فالمسؤول حين تُحيط به كوكبة من المصفقين ، يبدأ فعلياً بتصديق أنّ شارعاً واحداً مُعبّداً إنجازٌ وطني ، وأنّ بناء مدرسة «وعد قطعه للعالم» ثم تكتشف بعد سنوات أنّ الشارع تهدّم ، والمدرسة بلا معلمين إن اكتملت ، لكن المصفقين ما زالوا يصفّقون ، لأن طبائعهم لا ترى الفشل فشلاً ، بل «فرصة تطوير مستقبلية» .
وفي المقابل إن حاولتَ أنتَ إبداء رأيٍ أو نقدٍ بسيط ، سرعان ما ينقلبون عليك :
المتملّق يرى صدقك «وقاحة» والمنافق يرى رأيك «خطراً» والسياسي يرى اعتراضك «قلة فهم» وكأنّ الفهم هو حقٌّ حصري على بعض الكراسي التي صدأت قبل أن يلمسها أحد .
ولهذا فإنّ ارتباط الحكمة العلوية بواقعنا السياسي ليس مجرد ترفٍ أدبي ، بل وصفٌ دقيق لطبيعة المجتمع حين تتحكم به ثقافة التمجيد ، فالناس يرونك بأعين طبائعهم ، والمتملّقون يرونك عدواً لمجرّد أنّك لا تنحني ، والمنافقون يشكّون في صدقك لأنّه يفضح كذبهم ، والسياسيّون يظنون أنّ النقد محاولة «تسقيط» مع أنّ التسقيط الحقيقي يحدث حين يرفع المنافقُ من لا يستحق ، ويُسقِط من يقول الحقيقة .
الخاتمة:
لا تنتظر من المنافق أن يرى صدقك ، ولا من المتملّق أن يفهم حيادك ، ولا من السياسي المحاط بالمدّاحين” أن يصدّق عينيه ، فلو حاولتَ إرضاء كلّ هؤلاء ، لاحتجت إلى معجزة أكبر من “إصلاح الكهرباء” وإذن… تبقى الحكمة الخالدة صادقة( إرضاء الناس غايةٌ لا تُدرك) ولا ينبغي أصلاً أن تُدرك ، خصوصاً حين يكون نصفهم منافقاً والنصف الآخر متملّقاً .


