حين يرى المنافقُ السياسيَّ (ملاكاً) ويراك أنتَ (شيطاناً) !

حين يرى المنافقُ السياسيَّ (ملاكاً) ويراك أنتَ (شيطاناً) !
ينتقد النص انتشار النفاق والتملق في السياسة والمجتمع، حيث يُحرّف الواقع ويُهمّش النقد الصادق، مما يؤدي إلى أوهام الإنجازات ويجعل الحقيقة ضحية لثقافة التمجيد، مؤكداً صعوبة إرضاء الجميع في بيئة كهذه....

يبدو أنّ قول الإمام عليّ (ع) (الكلّ يراك بعينِ طبعه ، فلا تنتظر من الخبيث أن يراك نقيّاً ، ولا من البخيل أن يراك كريماً ، ولا من المنافق أن يراك صادقاً) ، لم يُقَل للحكماء والمتصوفة فقط ، بل كان – دون قصد – وصفاً دقيقاً لمشهدنا السياسي والاجتماعي في هذا البلد ؛ ذلك المشهد الذي تكاثرت فيه فصائل (المتملقين) وتناسلت فيه سلالات (المنافقين) حتى صاروا أكثر عدداً من القوانين التي لم تُطبَّق الى يومنا هذا ، وأسرع انتشاراً من الوعود التي أطلقها السياسيين والحكومة ولم تتحقق .

المنافق في عالم السياسة

المنافق في عالم السياسة ظاهرة اجتماعية تستحق الدراسة كما تُدرَس الكائنات الغريبة ، فهو يرى السياسيَّ الفاسد «مُصلِحاً» ويرى المسؤولَ المقصّر «قائداً تاريخياً» فقط لأنّ طبعه الملتوي لا يطيق رؤية الحقيقة إلاّ مقلوبة ، أمّا حين يراك أنتَ – المواطن المسكين – تتكلم بصراحة أو تنتقد خللاً ، فهو فوراً يصنّفك «هادماً للاستقرار» و«ناقماً على الإنجازات» مع أنّ الإنجاز الوحيد الذي شاهده الناس هو قدرة الحكومة والأحزاب السياسية على تغيير الشعارات أسرع مما تغيّر الطقس .

“المتملّق السياسي” يشبه مرآةً مُزوّرة :لا تعكس صورة من أمامها ، بل تعكس ما يريده صاحب المنصب أن يراه ، ولهذا تراهم “يتقافزون” أمام المسؤولين مثل فرقة موسيقية لا تجيد العزف لكنها تتقن التصفيق ، فإن قال السياسي كلمةً عابرة ، رأوا فيها «مبادرة استراتيجية» وإن تنفّس ، عدّوه «مشروعاً إصلاحياً للتنمية المستدامة في قطاع الهواء» .

 أما “المنافقون” فهؤلاء نوعٌ آخر من التحف البشرية :

يظهرون في صفحات الإعلام كأنهم حمائمُ سلام فوق أسلاك الكهرباء ، وحين تُفتَّش خطاباتهم تجد أنّ صدقهم أقلّ من وجود الكهرباء نفسها!! ومع ذلك لا تستغرب : فهم يرون في السياسيين مناقبَ لا يراها أحد ، لأنّ عيونهم مُبرمجة مسبقاً على الثناء ، تماماً كما تُبرمج أجهزة الإنذار على إصدار الضجيج… مع فارق بسيط : “أجهزة الإنذار مفيدة” .

وقد قال بعض الحكماء في وصفهم:

يمدحُ من يملكُ المالَ والنفوذَ

ولو كان في مدحهِ ظُلمُ العبادِ

ويذمُّ حرّاً يقولُ الحقيقةَ صدقاً

لأنّ الحقيقةَ تُربكُ أهلَ الفسادِ

والمشكلة ليست في المنافق نفسه ، بل في قدرته العجيبة على خلق واقعٍ موازي ، فالمسؤول حين تُحيط به كوكبة من المصفقين ، يبدأ فعلياً بتصديق أنّ شارعاً واحداً مُعبّداً إنجازٌ وطني ، وأنّ بناء مدرسة «وعد قطعه للعالم» ثم تكتشف بعد سنوات أنّ الشارع تهدّم ، والمدرسة بلا معلمين إن اكتملت ، لكن المصفقين ما زالوا يصفّقون ، لأن طبائعهم لا ترى الفشل فشلاً ، بل «فرصة تطوير مستقبلية» .

   وفي المقابل  إن حاولتَ أنتَ إبداء رأيٍ أو نقدٍ بسيط ، سرعان ما ينقلبون عليك :

المتملّق يرى صدقك «وقاحة» والمنافق يرى رأيك «خطراً» والسياسي يرى اعتراضك «قلة فهم» وكأنّ الفهم هو حقٌّ حصري على بعض الكراسي التي صدأت قبل أن يلمسها أحد .

ولهذا فإنّ ارتباط الحكمة العلوية بواقعنا السياسي ليس مجرد ترفٍ أدبي ، بل وصفٌ دقيق لطبيعة المجتمع حين تتحكم به ثقافة التمجيد ، فالناس يرونك بأعين طبائعهم ، والمتملّقون يرونك عدواً لمجرّد أنّك لا تنحني ، والمنافقون يشكّون في صدقك لأنّه يفضح كذبهم ، والسياسيّون يظنون أنّ النقد محاولة «تسقيط» مع أنّ التسقيط الحقيقي يحدث حين يرفع المنافقُ من لا يستحق ، ويُسقِط من يقول الحقيقة .

الخاتمة:

لا تنتظر من المنافق أن يرى صدقك ، ولا من المتملّق أن يفهم حيادك ، ولا من السياسي المحاط بالمدّاحين” أن يصدّق عينيه ، فلو حاولتَ إرضاء كلّ هؤلاء ، لاحتجت إلى معجزة أكبر من “إصلاح الكهرباء” وإذن… تبقى الحكمة الخالدة صادقة( إرضاء الناس غايةٌ لا تُدرك) ولا ينبغي أصلاً أن تُدرك ، خصوصاً حين يكون نصفهم منافقاً والنصف الآخر متملّقاً .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *