ليس من العدل ولا من الفهم الصحيح لمفهوم الدولة المدنية أن تُـختزل في صورٍ مشوهة من الانحلال، أو تُـربط بحفلات الطرب الماجنة وبالممارسات التي تخرج عن سياقات المجتمع القيمية وتمس عقائد غالبية الناس ..
الدولة المدنية -كفكرة وكمنهج- ليست مشروعاً للتحلل الأخلاقي، بل هي إطار تنظيمي لإدارة الدولة وحماية المجتمع، يقوم على سيادة القانون واحترام القيم الدينية والأعراف الاجتماعية، ويحفظ كرامة الإنسان ويصون حقوقه.
المدنية: دولة قانون لا دولة منفلتين
عندما نقول دولة مدنية فنحن نقصد الدولة التي:
- تُـدار بمؤسسات دستورية.
- تحكم بالقانون لا بالأهواء.
- وتتعامل مع جميع المواطنين على أساس المواطنة والمسؤولية.
وهذا المفهوم لا صلة له إطلاقاً بدعم الفجور أو تشجيع الميوعة أو فتح الأبواب للانحلال الاجتماعي .. فالممارسات الخارجة عن القيم المجتمعية ليست جزءاً من المدنية، بل هي تعديات أخلاقية لا يرضاها دين ولا مجتمع، ولا يحميها أي قانون يحترم الذوق العام والهوية الثقافية للشعب.
الدولة المدنية الحقيقية لا تتسامح مع أي فعل يهدد السلم المجتمعي، أو يستهزئ بمشاعر الناس الدينية، أو يعبث بالأخلاق العامة ..
بل إن المدنية تُـفعّـل القانون وتضع ضوابط للترفيه والفعاليات العامة، وتربطها بالآداب العامة والاحترام الواجب لقيم المجتمع.
الديمقراطية لا تعني الإباحية
كذلك فإن الديمقراطية، وهي إحدى أدوات الدولة المدنية، ليست تفويضاً مفتوحاً للفوضى الأخلاقية ..
الديمقراطية تعني:
- مشاركة الناس في القرار.
- حق الاختيار.
- وحق التعبير المنضبط بالقانون.
أما الإباحية، فهي فوضى أخلاقية لا علاقة لها لا بالديمقراطية ولا بالحرية ..
فالحرية السياسية والفكرية لا تساوي حرية الاعتداء على قيم المجتمع، ولا تعطي إذناً لفرض نماذج دخيلة على هوية الناس.
كل المجتمعات الراشدة -حتى الغربية منها- تمتلك قوانين تحدد الذوق العام وتحظر السلوكيات المسيئة، لأنها تدرك أن الحرية لا تنمو إلا داخل حدود المسؤولية.
المدنية لا تقف ضد الدين .. بل تتناغم معه
الدولة المدنية في جوهرها لا تعادي الدين، ولا تنتقص من مكانته، بل تعترف بأن الدين مكوّن أصيل للثقافة والوجدان والهوية ..
الدولة المدنية الحقيقية:
- تضمن حرية المعتقد.
- وتحمي الشعائر.
- وتحترم الأغلبية الدينية.
- ولا تسمح بتعدي الأقلية على ثوابت الأغلبية ولا العكس.
فالمدنية ليست بديلاً عن الدين، بل صيغة لإدارة الدولة تحفظ للجميع حقوقهم ضمن سياج من القيم الدينية والاجتماعية التي تختارها الأمة.
إن الدولة المدنية تنجح حين تجعل القانون إطارًا يحفظ القيم الدينية ويمنع استغلالها، فتتحول الأخلاق إلى منظومة حماية لا إلى شعارات. وحين تتوازن السلطة مع المجتمع تُصان الهوية ويترسخ الانضباط دون مساس بثوابت الأمة.
الدولة المدنية لا تعني الخلاعة والفجور، ولا تعني الانفصال عن الدين أو الاصطدام بالمجتمع ..
والديمقراطية لا تعني الإباحية، ولا تمنح أحداً حق العبث بالقيم العامة أو استفزاز المعتقدات الراسخة.
إن المدنية الحقيقية هي مدنية الأخلاق والقانون، دولة تحترم الدين وتحمي المجتمع وتضبط الفضاء العام، وتبقى وفية لكرامة الإنسان وأصالته وهويته.


