مجلس المدفوعات يناقش التقدّم والأرقام تكشف التراجع!

مجلس المدفوعات يناقش التقدّم والأرقام تكشف التراجع!
يكشف النص اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي حول التحول الرقمي والواقع الفعلي، مع ضعف الأتمتة وتراجع الشمول المالي وغياب التنسيق المؤسسي، مؤكّدًا أن التقدّم لن يتحقق من دون إلزام وتنفيذ وإصلاحات عملية واضحة....

اجتماع.. آخر من اجتماعات “الطمأنة اللفظية”: أين يقف التحول الرقمي فعلياً؟

مرة أخرى، يخرج علينا مجلس المدفوعات العراقي ببيان “ممتلئ” بالمصطلحات اللامعة: التحول الرقمي، البنى التحتية، الجاهزية، الرؤى الاستراتيجية، التوعية المالية… عبارات تتكرر منذ ما يقارب عشر سنوات، حتى أصبح المواطن يحفظها أكثر مما يحفظ سعر صرف الدولار في نشرة المساء.

الاجتماعات… بين النصوص الإنشائية والواقع العددي

يؤكد البيان مناقشة “عدد من الموضوعات الأساسية”. والحقيقة أن ما يحتاجه القارئ ليس معرفة كون الموضوعات “أساسية”، بل معرفة ماذا تحقق فعلياً من الأساسيات التي طرحت في الاجتماعات السابقة.

فلو أخذنا ثلاثة مؤشرات فقط:

نسبة المدفوعات الحكومية المؤتمتة: الخطط السابقة أعلنت استهداف 70% من مدفوعات الوزارات رقمياً بحلول 2024. الواقع، وفق بيانات آخر تقارير الشمول المالي للبنك المركزي، يشير إلى أن النسبة الفعلية لا تتجاوز 38–42%، مع تفاوت كبير بين الوزارات (وزارات ما زالت تعتمد الحوالات اليدوية).

عدد نقاط الدفع POS

تم الإعلان عن “التوسع الكبير” منذ 2022.

الهدف المعلن: 250 ألف نقطة دفع فعّالة. والتقديرات الميدانية تظهر أن العدد الفعلي لا يتجاوز 115–130 ألف نقطة تعمل بصورة طبيعية، فيما البقية “موجودة على الورق” أو متوقفة بسبب أعطال، انقطاع الإنترنت، أو غياب التفعيل من المصارف.

حسابات العمالة في القطاع الخاص

المجلس يشدد على “توطين رواتب الطبقة العاملة”. لكن الواقع: إجمالي العمالة في القطاع الخاص يقدر بـ 4.5 – 5 ملايين عامل. وعدد من تم توطين رواتبهم فعلياً لا يتجاوز 450 – 520 ألفاً (أقل من 11%). أي أن 89% من القطاع الخاص ما يزال خارج النظام المالي الرسمي الذي تتحدث عنه الاجتماعات الدورية.

جاهزية القطاع الخاص… بين الطموح والتحديات

يؤكد المجلس “رفع جاهزية القطاع الخاص”. لكن القطاع الخاص يواجه مشاكل لا يحلّها اجتماع:

أبرز العقبات التي تجاهلها البيان:

  1. تكاليف الأجهزة والرسوم: العمولة على عمليات الدفع لا تزال مرتفعة بنظر التجار (1.5–3%)، ما يجعلهم يفضلون النقد.
  2. ثقافة الامتناع عن الفاتورة: كثير من المنشآت تتجنب “الشفافية الضريبية الرقمية”، لذا تفضل إبقاء التعاملات نقدية.
  3. انقطاع الإنترنت في الأسواق والمولات: كيف سيُطبّق الدفع الإلكتروني في بلد يتوقف فيه الإنترنت عند المطر؟

الشمول المالي… الرقم الذي لا يريد أن يتحرك

البيان يستعرض “مؤشرات الشمول المالي”. لكن لننظر إلى الأرقام:

  • الهدف الوطني: 60% شمول مالي بحلول 2026.
  • النسبة الحالية المتوقعة: 33–36% فقط.
  • نسبة الحسابات البنكية النشطة: أقل من 25% من مجموع الحسابات.
  • نسبة الشباب غير المتعاملين مع أي مؤسسة مالية: 52%.

إذاً، أين هو “التقدم” الذي تستعرضه الاجتماعات؟

التثقيف المالي… خطاب جميل بلا نتائج والمجلس يؤكد “أهمية توسيع الثقافة المصرفية”. لكن المواطن ما زال يطرح الأسئلة نفسها منذ 2017:

لماذا تتأخر بطاقات الدفع أسابيع وربما أشهر؟

لماذا يُطلب من المواطن “ورقياً” إثباتات لإنجاز معاملات يفترض أنها رقمية؟

ولماذا ما تزال بعض المصارف تعتمد التوقيع الورقي و”الختم” اليدوي في إجراءات تتحدث عن “التحول الرقمي”؟

هل المشكلة في غياب الاجتماعات؟ لا. المشكلة أن الإجراءات التنفيذية لا تتناسب مع حجم الخطاب الإعلامي.

بل إن الإشكالية الأعمق هي: عدم إلزام الوزارات بالتحول الرقمي الكامل كل وزارة تمشي بسرعة مختلفة، وبعضها لا يزال في “العصر الورقي”.، ضعف الرقابة على شركات الدفع ، بعض الشركات تبيع الأجهزة للتجار دون تدريب أو صيانة أو متابعة. ، انعدام التكامل بين الأنظمة الحكومية ووزارة المالية، الضرائب، الجمارك، المصارف… كل جهة بنظام منفصل لا يتكلم مع الآخر.

البيان الأخير يعيد إنتاج خطابات سبقته: اجتماع مهم… نقاشات مهمة… مؤشرات إيجابية… تأكيد على الاستمرار… وكأن المشكلة في قلة الكلام وليس في قلة التنفيذ. ربما المطلوب من مجلس المدفوعات أن يضيف فقرة جديدة في نهاية كل اجتماع تقول:

“تمت مناقشة المواضيع نفسها التي نناقشها منذ خمس سنوات، ونأمل أن تناقش في الاجتماع القادم بعد أن ننجز منها شيئاً.”

فهذا سيكون أصدق بيان يصدر منذ إطلاق مشروع الدفع الإلكتروني في العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *