تركيا من الرجل المريض إلى السلطان الجديد

تركيا من الرجل المريض إلى السلطان الجديد
يعرض التحليل رؤية تعتبر أن سياسات تركيا الحديثة امتدادٌ لنفوذ عثماني بصيغة جديدة، باستخدام أدوات اقتصادية ومائية وعسكرية وإعلامية، مؤكّدًا أن ضعف المواجهة العربية يمنح أنقرة مساحة أوسع للتأثير الإقليمي....

المقدمة:

لم يكن وصف الدولة العثمانية بـ”الرجل المريض” مجرد استعارة سياسية أطلقها الأوروبيون في القرن التاسع عشر، بل كان توصيفًا دقيقًا لحالة الانهيار والتفكك التي عاشتها السلطنة في سنواتها الأخيرة. واليوم، بعد مرور أكثر من قرن على سقوطها، يظهر رجب طيب أردوغان بخطاب يستعيد ذلك الإرث، محاولًا أن يقدّم نفسه كـ”سلطان جديد” يعيد رسم حدود النفوذ العثماني بوسائل القرن الحادي والعشرين. وبينما تُسوّق أنقرة مشروعها على أنه تعاون وتنمية، فإن الواقع يكشف عن سياسات توسعية تستحضر الماضي وتعيد إنتاجه في صورة جديدة.

إرث الرجل المريض: دماء ونهب وجهل

لم تكن السلطنة العثمانية مشروعًا حضاريًا كما يُصوَّر في بعض الدراما التركية الحديثة، بل كانت دولة توسّعية قائمة على الضرائب الباهظة ومصادرة الغلال والثروات، مع سياسة ممنهجة لتجهيل الشعوب. في العراق، واجهت القبائل حملات قتل وسلب بسبب رفضها التجنيد الإجباري. وفي الشام، عانى السكان من الإعدامات الجماعية وتجويع ممنهج. أما اليمن، فشهد حصار المدن وحملات عسكرية دامية أودت بحياة عشرات الآلاف.

أحد أبرز ملامح ذلك الإرث كان (سفر برلك)، التجنيد الاجباري حيث سُيق الشباب العرب قسرًا إلى جبهات بعيدة خلال الحرب العالمية الأولى، بينما تُفرغ البيوت من خبزها والحقول من قمحها. تركت هذه السياسة إرثًا من الفقر والشلل الاقتصادي، وأصبحت رمزًا للذاكرة الشعبية عن قسوة الحكم العثماني.

ولم تنشئ السلطنة مؤسسات تعليمية أو تنموية حقيقية، بل أدارت الأراضي العربية كمخازن بشرية واقتصادية لإسطنبول، ما خلّف فقرًا واسعًا وأمية وانقسامات داخلية. هذا الإرث الدموي والاقتصادي هو ما يحاول أردوغان اليوم إعادة صياغته بوسائل حديثة.

السلطان الجديد: أردوغان ومشروع الإمبراطورية

يستند أردوغان إلى خطاب “المظلومية العثمانية”، مقدّمًا نفسه وريثًا للسلطنة، لكنه يمارس سياسات توسعية عبر أدوات متعددة:

– الاحتلال الناعم: مشاريع اقتصادية ضخمة تربط الدول الهشة بالاقتصاد التركي، من طرق ومطارات وموانئ، باتفاقيات طويلة الأمد تجعل هذه الدول رهينة لأنقرة.

– سلاح الماء: بناء سدود عملاقة على دجلة والفرات، وخفض حصص العراق وسوريا، واستخدام المياه كورقة ضغط سياسية، ما أدى إلى جفاف الأراضي الزراعية وتدهور الثروة الحيوانية وانتشار التصحر.

– التدخل العسكري المباشر: قواعد عسكرية في شمال العراق، واحتلال مدن سورية مثل الباب وجرابلس وعفرين ورأس العين، مع سياسة تغيير ديموغرافي ممنهج تهدف إلى تهجير السكان الأصليين وإسكان عائلات موالية لتركيا.

– القوة الإعلامية والثقافية: عبر مسلسلات مثل قيامة أرطغرل، تُجمّل صورة السلطنة وتُقدَّم التدخلات التركية على أنها إنقاذية، بينما يُعاد تبييض سجلّ الماضي الدموي.

من الرجل المريض إلى السلطان الجديد

كما كان الرجل المريض يستنزف الشعوب بالضرائب والتجنيد، يسعى السلطان الجديد إلى استنزافها بالاقتصاد والماء والإعلام والجيوش. الفارق أن أدوات القرن الحادي والعشرين أكثر نعومة في ظاهرها، لكنها لا تقل قسوة في نتائجها. فالمشاريع الاقتصادية التي تُسوّق على أنها تنمية، تتحول إلى أدوات ربط وإخضاع. والسدود التي تُقدَّم كإنجازات هندسية، تتحول إلى وسائل ابتزاز سياسي. وحتى المسلسلات التي تُعرض على الشاشات، تصبح أدوات لإعادة كتابة التاريخ وتجميل صورة الإمبراطورية.

في سوريا، لم يقتصر التدخل التركي على السيطرة العسكرية، بل امتد إلى فرض اللغة والليرة التركيتين، وتغيير أسماء الشوارع والساحات، وفتح فروع جامعات تركية، في محاولة لدمج هذه المناطق في الفضاء الثقافي والسياسي لأنقرة. وفي العراق، تتوسع القواعد العسكرية التركية حتى عمق 30 كم داخل الحدود، مع ضربات جوية مستمرة وضغط سياسي على بغداد وأربيل. أما في ليبيا واليمن، فتتنوع الأدوات بين إرسال مرتزقة ومستشارين عسكريين، ومحاولات نفوذ ناعم عبر الدعم الإنساني.

الخاتمة:

تركيا اليوم لا تبحث فقط عن أسواق جديدة أو مصالح اقتصادية، بل تنفّذ مشروعًا إمبراطوريًا يعيد رسم حدود السلطنة بوسائل حديثة: ماء يُحتكر، اقتصاد يُربط، إعلام يُجمّل، وجيوش تُغيّر ديموغرافيا الأرض. وما لم تمتلك الدول العربية استراتيجيات مواجهة فعّالة، ستظل المنطقة رهينة سلطان جديد يحلم بإمبراطورية ضائعة، ويحوّل الحلم إلى مأساة متجددة.

إنه انتقال من “الرجل المريض” الذي كان يستنزف الشعوب بالضرائب والتجنيد، إلى “السلطان الجديد” الذي يستنزفها بالاقتصاد والماء والإعلام والجيوش. وبين الماضي والحاضر، يبقى جوهر المشروع واحدًا: السيطرة والهيمنة، وإن تغيّرت الأدوات وتبدّلت الشعارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *