| في الذكرى الرابعة على إنشاء الصرح المتميّز بكلّ تفاصيله، تقف المقبرة الرمزية اليوم شامخة رغم فراغها، لتعلن للعالَم بأنها رمزية لا تحتضن رفاتًا، بل تحتضن الحقيقة المغيّبة، وقد تمثّل الخريطة الأخيرة التي تركها أصحابها، ليدرك الضمير الحيّ، بأنّ الإنسان يُقاس بما يتركه من أثر معنوي حقيقي.
وفي هذا المكان، يحيي الأوفياء ذكرى أرواحَ وأسماء أولئك الذين مُزّقت أجسادهم في السجون والمعتقلات، وغُيِّبَ أثرهم، وضاعت مواضع دفنهم، ولكن لم يغب إرثهم، وبقيت ذكراهم شاهدة على صبر أمّة لم تتخلَّ عن أبنائها وإن غيّبهم الظلم عن عيونها، وإلّا كيف يمكن لغيابٍ تامّ، أن يصنع حضورًا بهذا الزخم المهيب؟! وكيف يمكن لاسمٍ بلا جسد، أن يواصل دوره في إحياء تأريخ ظنّ طاغية البعث طمس آثاره ومحوَ ذكره؟! نعم.. إنها قبور رمزية لا يُثقِل ترابها جسدٌ واحد، لكنها تغصّ بمعاني أسماءٍ ما زال صداها يرنّ في الذاكرة، أسماءٌ حمل أصحابها الأرواح على الأكف وشروا النفوس ابتغاء وجه ربهم، لأجل الدفاع عن الحق وإثبات الحقيقة، في زمن يخاف المرء فيه على دنياه أكثر مما يخاف على دينه وعقيدته، في زمن لم يبق من الدين سوى حروف يتشدق بها الأدعياء، فأطلقت تلك الثلة المؤمنة رجالًا ونساءً صرخة الحق في وَجه السلطان الجائر، رافضة للذلّ، غير آبهة لدنيا زائفة.
وهنا في هذه البقعة المطلّة على روضة سيد الأوصياء علي ابن أبي طالب “عليه السلام” نتجول بين رسومهم، نقرأ أسماءهم وكأنّ كلّ حرفٍ منها نبضٌ نستشعر أنفاسه، ونلمس الرخام وكأنّه كفّ الشهيد تصافحنا لتلمس أرواحنا، نتذكّر حكاياتهم في لحظة شوق يسابقه الدمع صمتًا في محاجرنا، نستعيد عالَمهم كما تستعيد الأرضُ خصوبتها بعد مطرٍ غزير.
لم يغيبوا عن ذاكرتنا رغم التغييب، أنّىٰ وهُم روح قضيتنا، وشموخ تأريخنا، وشرف وجودنا، وفي هذا المكان الذي يُشبه محرابًا من صمت، نقف عند صورهم حاملين العرفان والامتنان لمن صار سبَبًا في تشييد هذا الصرح الشامخ، والشكر لكلّ الجهود المتظافرة والمساهِمة، ليبقى لنا نحن ذوي الشهداء هذا الأثر المقدّس عزاءً وسلوة، إذ كلما ضاق بنا الفسيح، نقرأ الفاتحة ونُشعل شمعةً، حيث لم يترك لهم طاغية البعث جسدًا ليكون لهم مدفَن كما جرت عليها الاعراف.
ولعلّ أعظم ما تحمله المقابر الرمزية من دلالة، هو أنها رغم خلوّها من الرفات، لكنها تذكّر بأنّ ثمّة حياة سُرقت عنوة تحت سطوة الجلاد ولهيب سياطه، وأنّ هناك ظلمًا لم يكتفِ بإزهاق الروح، بل أراد محو أثرها أيضًا، ولكن شاء القدر أن يتحول ضياع الأجساد إلى شهادةٍ حيّة تكشف عن حقيقة، أنّ لغياب جسد الشهيد أكثر حضورًا وأعمق أثرا، وأنّ صمت المكان يصبح احتجاجًا لا يهدأ، يطالب بالعدالة ويذكّر الأجيال بأنّ الذاكرة لا تُدفَن حتى لو غاب أصحابها عن التراب، وعلى عاتق الأجيال الجديدة تقع المسؤولية الأثقل، بأن تحفظ رواية الذين غُيِّبوا، وأن تمنع سقوطها في فخ النسيان، متعاونين في غرس وعي الحقائق في وجدان الأجيال القادمة حتى يدركوا محطات الإشراق لتأريخهم المشرّف، فهم الامتداد الحقيقي لمن ضحّى من الشهداء، كي تبقى ذاكرة الأمة محصّنة يقظة، وتذكّر بأنّ العدالة حقّ ينشدهُ كلّ مجتمع إنسانيّ كريم، وأنّ الإنسان أغلى من كل العروش التي تشيَّد على القمع والاستبداد. لذا..فالمقبرة الرمزية ليست مجرد حجرٍ أو مساحة صامتة، بل صفحة مفتوحة أمام أبناء هذا الوطن ليقرأوا فيها معنى الكرامة، وليدركوا أنّ الحرية لم تكن يومًا هدية مجانية، بل ثمرة تضحيات جمّة لم يجد أصحابها قبرًا يضم رفاتهم. |


