الإعلام الغربي بين الدم والكذب: من فضيحة بي بي سي (BBC) إلى بنية التضليل العالمية

الإعلام الغربي بين الدم والكذب: من فضيحة بي بي سي (BBC) إلى بنية التضليل العالمية
تكشف فضيحة بي بي سي عن انهيار مصداقية الإعلام الغربي، الذي يمارس التضليل لصالح مشاريع سياسية، كما ظهر في تغطية غزة، حيث غابت الحقيقة وحضرت الدعاية، ما أفقد هذه المؤسسات ثقة الجمهور داخليًا وعالميًا....

 • حين تنهار أسطورة المهنية الصحفية

لم تكن استقالة “تيم ديفي”، المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ومديرة الأخبار “ديبورا تورنيس”، حدثا عاديا يمكن تصنيفه ضمن “الأخطاء التقنية”.

فالفضيحة التي كشفت تلاعب المؤسسة بخطاب الرئيس الامريكي دونالد ترامب -قصا ومونتاجا ودمجا لصناعة مشهد سياسي لم يحدث- تعدّ جرس إنذار لما هو أعمق بكثير:

“تصدّع البنية الأخلاقية (الوهمية) للإعلام الغربي نفسه”

هذه الحادثة لا تكشف ما فعلته بي بي سي فقط… بل ما كانت تخفيه لسنوات طويلة من صناعة السرديات وتوجيهها.

والسؤال الآن:

إذا كان “أيقونة المهنية!”، تتورط بهذا المستوى من التضليل، فماذا تفعل بقية المؤسسات التي لا تملك هذه الهالة التاريخية؟

•بي بي سي: المؤسسة الأسطورة!

لأكثر من نصف قرن، قدّمت الـ (BBC) نفسها كمدرسة للأخلاق الصحفية…

لكن الواقع يقول إن المؤسسة لم تكن يوما محايدة:

-لعبت دورا مركزيا في الدعاية البريطانية خلال الحروب.

-روّجت للرواية الغربية في الشرق الأوسط.

– رافقت وبررت سردية الاحتلال في فلسطين.

– ومرّرت الأكاذيب التي مهدت لغزو العراق.

الفضيحة الأخيرة ليست “خروجا عن القاعدة”، بل هو تكريس لها… لكن في زمن لم يعد يسمح بالخداع.

• الـ (BBC)… جزء من منظومة

الاستقالة فتحت الباب لتشريح الإعلام الغربي كمنظومة واحدة، لا كمؤسسات منفصلة.

سي إن إن (CNN)، فوكس نيوز (Fox News)، إم إس إن بي سي (MSNBC)، سكاي نيوز (Sky News)، واشنطن بوست (Washington Post)، نيويورك تايمز (New York Times)، بلومبيرغ (Bloomberg)، بوليتيكو (Politico)

وغيرها كلّها تتحرك من خلال ثلاثة محركات أساسية:

1-ملكية مالية وثيقة الارتباط بشركات الضغط

غالبية هذه المؤسسات مملوكة لجهات استثمارية وعسكرية عملاقة مثل (BlackRock) و (Vanguard) و(State street) وغيرها، أي أنها جزء من البنية الاقتصادية-السياسية الغربية وليست مراقبا مستقلا لها.

2-ارتباط عضوي بالسلطة السياسية

تتغذى غرف الأخبار في هذه المؤسسات من مراكز القرار، البيت الأبيض، البنتاغون، وزارات الخارجية، أجهزة الاستخبارات.

لذلك نادرا ما تتعارض السردية الإعلامية في الغرب مع السردية الرسمية في القضايا الكبرى.

3-الوظيفة الدعائية الناعمة

هذه المؤسسات لا تكتفي بنقل الأحداث… بل تصنع إطارا لتفسيرها…

وهي المسؤولة عن تكوين الرأي العام الداخلي، وتشكيل الصورة الخارجية للجمهور العالمي.

•صناعة الخبر والتضليل المحترف

الإعلام الغربي لا يكذب بصورة مباشرة دائما… لكنه يصنع الحقيقة عبر أدوات دقيقة:

1-القصّ والمونتاج

كما حدث مع خطاب ترامب من تلاعب في سياق، دمج مقاطع، وتكوين سردية موجهة.

2-السردية والرواية

التلاعب بالرواية احدى اهم الوظائف التي يقوم بها الاعلام الغربي عبر تسويق بعض المفاهيم، فالاحتلال يصبح “نزاعا”، وقصف المدنيين يصبح “دفاعا عن النفس”، والمقاومة تصبح “ميليشيا ارهابية”.

هذه ليست أخطاء لغوية… بل هندسة لإعادة المعنى.

3-انتقاء الضيوف

يتم اختيار الخبراء والمحللين الذين يعزّزون “العقل” الأمريكي والغربي بعناية فائقة.

4-الإغراق بالمعلومات

يتم ضخ جرعات ضخمة من المعلومات التي تربك المتلقي وتجعله أقل قدرة على رؤية الحقيقة الأساسية.

5-الخبر العاجل (أداة نفسيّة)

لخلق صدمة فورية وتوجيه مزاج الجمهور.

6- التجاهل الانتقائي

وهو أخطر أدوات التضليل على الإطلاق…فما لا يذكر، كأنه غير موجود.

• طوفان الأقصى: أكبر فضيحة أخلاقية في تاريخ الإعلام الغربي

إذا كانت فضيحة بي بي سي مثالا على التلاعب، فإن التغطية الغربية لإبادة غزة هي النموذج الأكمل لمنهج التضليل البنيوي.

– حجم المجزرة

منذ أكتوبر 2023 وحتى منتصف 2025، قُتل ما يقارب 70 ألف فلسطيني بين طفل وامرأة وشيخ، وتم تدمير البنى التحتية في القطاع، وتصفية شعب كامل وحذفه من السجلات المدنية.

ورغم هذا الحجم المرعب من القتل والتدمير، قدّم الإعلام الغربي هذه المحرقة البشرية الذي قامت بها إسرائيل  على انها صورة “نزاع متبادل” أو “حرب على الإرهاب”.

– التحكم في المفردات

كانت اللغة أخطر أداة بيد الإعلام:

لا يستخدم كلمة “احتلال”، ولا يقول “قصف من طائرات F-16 أمريكية”،

المدني المقتول يصبح “عنصرا من حماس”، البيت المدمّر يصبح “مبنى لحماس”، الطفل الممزق يوصف بأنه “ضمن ضحايا الاشتباكات”.

هنا يتكامل الدور السياسي مع الدور الاعلامي لصناعة سردية تغطي على افظع جريمة التاريخ.

-قلب الحقائق

الحرب قادها الغرب تكنولوجيا واستخباريا وتمويلا، لكن الإعلام صوّرها كـ “عملية دفاعية إسرائيلية بحتة”.

-شيطنة الضحية

تم تصوير الفلسطيني- خصوصا في لحظة طوفان الأقصى- كأنه “مصدر التهديد الأكبر للسلام العالمي”، بينما الاحتلال تحول لجهة “تدافع عن ذاتها”.

-تجاهل التوثيق المستقل

رغم آلاف الساعات المتواصلة من البث المباشر للمجازر، استمر الخطاب الغربي في التشكيك أو التخفيف أو البحث عن “مبررات”.

وهذا يكشف بوضوح أن التغطية لم تكن مجرد انحياز… بل وظيفة سياسية كاملة.

• الإعلام جزء من الحرب

1-العراق 2003

شرعنة الاحتلال عبر الأكاذيب.

2-سوريا وليبيا

خطاب “تحرير الشعوب” الذي انتهى بتدمير الدول.

3- روسيا والصين وإيران

صناعة صورة “الخصم الدائم والمتوحش”.

4- غزة 2023–2025

تحويل أفظع مجزرة في التاريخ إلى “عملية دفاع”، وإخفاء 70 ألف جثة وعشرات الالاف من المعاقين والمجوعين خلف خطاب سياسي منمق.

•لماذا تتعرّى هذه المؤسسات اليوم؟

ثلاث تحولات أساسية:

1-صعود الإعلام المقاوم

كقناة الميادين، روسيا توداي، الصحافة الرقمية المستقلة، المؤسسات الإعلامية المقاومة الاخرى.

2-انهيار الثقة الداخلية

حتى الجمهور الغربي نفسه فقد ثقته بالمؤسسات التقليدية.

3- انكشاف الأدوات

الهواتف الذكية، السوشيال ميديا، الصور الحية… جعلت الكذب والتعتيم أكثر صعوبة.

• اخيرا

الاستقالات في بي بي سي ليست نهاية مرحلة، بل بداية انكشاف شامل…

ولعلّ ما حدث في غزة بعد طوفان الأقصى هو أكبر اختبار أخلاقي كشف الوظيفة الحقيقية للإعلام الغربي:

– حماية المشروع الغربي في العالم، ولو أدى ذلك إلى طمس 70 ألف جسد تحت الركام.

لم يعد العالم يصدّق “أسطورة المهنية” والحياد!

ولم يعد المتلقي مستعدا لابتلاع رواية غرب يدّعي الإنسانية بينما يغطي على مجازره.

السؤال اليوم، ليس لماذا يسقط الإعلام الغربي؟

انما، كيف ظل واقفا كل هذا الوقت رغم هذا الكمّ من الدم والكذب؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *