مقدمةلم تكن خسارة شيوخ العشائر في الانتخابات الأخيرة حدثًا عابرًا أو نتيجة جانبية في سباق انتخابي مكتظ بل كانت زلزالًا سياسيًا أعاد تشكيل خارطة النفوذ الاجتماعي في العراق. في منافسة ضمّت أكثر من سبعة آلاف مرشح كان يُفترض أن يكون الشيوخ بما يحملونه من تاريخ وهيبة ومضايف ممتدة في مقدمة العابرين نحو البرلمان. لكن النتائج جاءت صادمة و موجعة وذات دلالات عميقة. ولعل المفارقة الأكبر أن هذه الخسارة لم تكن هزيمة سياسية بقدر ما كانت نجاة أخلاقية أبقت كثيرًا من الشيوخ بعيدين عن مستنقعات السياسة ومتاهاتها التي لا تنسجم مع قيم المشيخة ووقار العشيرة. فهل كانت خسارة… أم خذلان… أم سقوطًا لهيبة متوارثة؟دخل عشرات الشيوخ الميدان الانتخابي بثقة مفرطة في رصيد اجتماعي ضخم وكتل بشرية تمتد لمئات الآلاف معتقدين أن هذا الزخم وحده كافٍ ليحملهم إلى قبة البرلمان. لكن الصندوق كان له رأي آخر وفتح الباب أمام أسئلة مؤلمة: هل خذلتهم عشائرهم؟أم أخطأوا فهم التحول في العقل السياسي العراقي؟ أم أن ماكينة المال السياسي كانت أكبر من أي نفوذ عشائري؟ أولًا: النفوذ الاجتماعي لا يُترجم تلقائيًا إلى نفوذ انتخابي، أثبتت الانتخابات أن الهيبة العشائرية لا تُصرف كأصوات في صناديق الاقتراع. الناخب العراقي اليوم يقسّم خياراته بين من يبحث عن منفعة مباشرة ووظيفة وخدمات شخصية وبين من يبحث عن مشروع دولة لا عن زعامة عشائرية. بمعنى آخر: العراق تغيّر… لكن بعض الشيوخ دخلوا السباق وكأن الزمن متوقف عند أبواب المضائف والدواوين. ثانيًا: الخذلان من الداخل… أبناء العشيرة صوتوا لغير شيخهم اكتشف كثير من الشيوخ أن عصبية الدم لم تعد حاضرة كما كانت. القرار بات فرديًا مصلحيًا غير محسوم لصالح القرابة. فغياب الخدمات وانهيار الثقة بالخطاب التقليدي ورغبة الناس في منافع شخصية كلها دفعت أبناء العشيرة للبحث عن بديل أكثر قدرة على “الإنجاز” لا على “الوجاهة”. ثالثًا: المال السياسي وحيتان الفساد… معركة غير متكافئة لا يمكن قراءة النتائج بمعزل عن الطوفان المالي الذي غمر العملية الانتخابية. واجه الشيوخ خصومًا يمتلكون:• خزائن مالية مفتوحة • ماكينات حزبية مدعومة من جهات. داخلية وخارجية • حيتان فساد تحوّلت إلى مصانع أصوات • شبكات شراء ذمم لم تعد تعمل في الخفاء كيف لشيخ يستند إلى سمعته وأصالته أن يقف أمام مرشّح تتدفق إليه ملايين الدولارات؟لقد اصطدم النفوذ التقليدي بـ”إقطاع سياسي” جديد تحكمه الأموال القذرة لا الأصالة. رابعًا: دخول حرب بلا ذخيرة… غياب التخطيط والإدارةخاض كثير من الشيوخ المعركة بخطاب عشائري كلاسيكي بلا برامج بلا مستشارين بلا إدارة انتخابية محترفة. السياسة الحديثة لها أدواتها… لكن بعض المرشحين دخلوا بلا أدوات معتمدين فقط على روابط القرابة التي انهارت عند أول اختبار. خامسًا: الناخب تغيّر… يريد دولة لا ديوانًاالجيل الجديد لم يعد أسير الألقاب. يريد خدمات وظائف و فرصًا أمنًا و عدال لا مقاعد في المضايف ولا خطابات فخرية. الصوت أصبح تبادليًا مشروطًا لا يمنح إلا لمن يملك القدرة على تقديم شيء ملموس. خاتمةخسارة شيوخ العشائر لم تكن سقوطًا لهم بقدر ما كانت وقفة تصحيح أعادتهم إلى موقعهم الطبيعي:رموزًا اجتماعية نظيفة اليد لا أرقامًا في سباق سياسي مشوه. لقد كشف صندوق الاقتراع شيئًا أخطر من تراجع النفوذ التقليدي كشف وحشية المال السياسي وسيطرة حيتان الفساد التي حولت الديمقراطية إلى معركة نفوذ لا إلى منافسة برامج. الرسالة واضحة:لم يعد يكفي أن تكون شيخًا ولا أن تمتلك ديوانًا عامرًا الشرعية السياسية تُنتزع بالعمل وبالبرنامج وبالتحالفات لا بالإرث وحده. والعراق اليوم أمام مفترق طرق: إما دولة مؤسسات… وإما دولة تتحكم بها خزائن المال السياسي وحيتان الفساد. |


