فك الارتباط بالدولار: خارطة الطريق من التبعية إلى السيادة النقدية

فك الارتباط بالدولار: خارطة الطريق من التبعية إلى السيادة النقدية
يقدّم التحليل مساراً تدريجياً يهدف إلى تقليل الاعتماد على الدولار عبر تعزيز الاحتياطيات، وتقوية استقلال المؤسسات، وتوسيع التعامل بعملات متعددة، مع إدارة التضخم وتحقيق توازن جيوسياسي يعزّز السيادة الاقتصادية للعراق....

الدينار والدولار: من يقرر مصير اقتصاد العراق؟

يمثّل فك الارتباط الكامل بالدولار الأمريكي الهدف الأبعد والأكثر طموحا للسياسة النقدية العراقية، ليس من زاوية الاقتصاد وحسب، بل من زاوية الاستقلال الوطني أيضا.

فهذه الخطوة لا تقتصر على تعديل في سعر الصرف، انها هي تعبّر عن تحول استراتيجي عميق يمس جوهر سيادة القرار المالي، ويفرض على الدولة أن تمتلك أدوات قوية للتخطيط، وإرادة سياسية صلبة، وقدرة مؤسسية على إدارة الصدمات.

ولكن هذا التحول، إذا تم دون حساب دقيق أو تدرّج محسوب، فقد يقود إلى نتائج معاكسة تماما:

-انهيار في قيمة الدينار.

-ارتفاع في معدلات التضخم.

-وفقدان السيطرة على السياسات الاقتصادية المحلية.

لذلك لا يمكن التعاطي مع فكرة فك الارتباط كقرار آني، بل كـ مشروع وطني متعدد المراحل.

•الشروط الاساسية

قبل الشروع بأي خطوة عملية، هناك متطلبات أساسية لا يمكن تجاوزها.

أولها: الاحتياطي النقدي الذي يجب أن يبقى عند مستوى لا يقل عن 120 مليار دولار، ليكون صمام أمان لأي تقلبات في السوق.

وثانيها: الاستقرار السياسي النسبي، فالفوضى قادرة على إفشال أي إصلاح نقدي مهما كانت كفاءته.

أما ثالثها: فهو مؤسسة نقدية مستقلة ذات مصداقية عالية، قادرة على تنفيذ السياسة النقدية بمعزل عن الضغوط السياسية.

وأخيرًا، لا بد من وجود خطة شاملة للحماية الاجتماعية تحصّن الفئات الضعيفة من آثار الانتقال، لأن أي إصلاح نقدي لا يراعي العدالة الاجتماعية محكوم عليه بالانكسار الشعبي.

•خارطة طريق مقترحة

يرى الخبراء الاقتصاديون ان أي عملية فك للارتباط بين العملة الوطنية والدولار في الدول النامية والريعية لابد ان تمر بثلاثة مراحل:

-المرحلة التأسيسية (0–18 شهرا)

في هذه المرحلة يبنى الأساس المالي والمؤسسي…

وانشاء صندوق تثبيت النفط برأسمال 20 مليار دولار لتخفيف أثر تذبذب الأسعار على الموازنة، وتعقد اتفاقيات مقايضة عملات مع أربع دول تجارية رئيسية لتقليل الاعتماد على الدولار، مع إطلاق برنامج حماية اجتماعية تبلغ كلفته السنوية نحو 5 مليارات دولار.

النجاح في هذه المرحلة يقاس بتوقيع أول اتفاقيتين للمقايضة واعتماد الصندوق رسميا ضمن الموازنة العامة.

-مرحلة الانتقال (18–42 شهرا)

تبدأ هنا الخطوات التدريجية للتحرر من هيمنة الدولار…

يفترض أن يجري تسعير 30% من صادرات النفط بسلة عملات، وأن تطلق منصة وطنية للمدفوعات الإلكترونية بكلفة تقديرية تبلغ 300 مليون دولار، مع تطبيق برنامج حكومي لتوسيع التعامل بالدينار في النشاطات التجارية.

وتقاس النتائج بارتفاع نسبة التعاملات بالدينار غير النقدي إلى 50%، وبلوغ الصادرات غير النفطية حاجز 10 مليارات دولار سنويا.

-مرحلة التعويم الموجّه (42–72 شهرا)

تعدّ هذه المرحلة الانتقال الحاسم من التبعية إلى المرونة.

يعلن فيها الانتقال الرسمي إلى نظام سعر الصرف المرن الموجّه، مع تحديد نطاق أولي مستهدف لقيمة الدينار بنسبة ارتفاع او انخفاض قدرها (15%)، يتم تضييقه تدريجيا وفقا لتحسن المؤشرات الاقتصادية.

ويفترض عند نهايتها تحقيق فائض في الحساب الجاري غير النفطي، وتقليص الاعتماد على الدولار إلى حدود 60%.

•التحرر النقدي كأداة سيادة وطنية

إنّ العملة ليست مجرّد وسيلة للتبادل، بل هي رمز سيادي يعكس قدرة الدولة على إدارة مواردها واستقلال قرارها.

لذلك، فإنّ فك الارتباط بالدولار لا يعدّ مجرّد إصلاح مالي، بل تحررا من وصاية اقتصادية ممتدة منذ عام 2003، حين خضع العراق لنظام مالي تتم مراقبته عبر مؤسسات دولية ومصارف أمريكية.

في هذا السياق، يصبح الدينار عنوانا للسيادة قبل أن يكون أداة نقدية، فكل دينار ينتج داخل دورة اقتصادية وطنية، وكل معاملة تجرى بعملة محلية، تمثّل خطوة باتجاه استعادة القرار المالي المستقل.

اذن فالتحرر النقدي، ليس عملا تقنيا فقط، انما خو تحول حضاري يعيد للعراقيين ثقتهم بقدرتهم على إنتاج القيمة، لا مجرد تصدير النفط وانتظار التسعيرة من الخارج.

إنه إعلان بأنّ العراق قادر على أن يموّل اقتصاده بموارده لا بعملات الآخرين، وأنه يستطيع رسم حدوده الاقتصادية بيده لا بقلم البنوك الأجنبية.

•الاعتبارات الجيوسياسية

لا يمكن فصل مشروع فك الارتباط بالدولار عن البيئة الدولية المحيطة.

فالولايات المتحدة تعتبر هيمنة الدولار جزءا من أمنها القومي، وتستخدم النظام المالي العالمي كأداة ضغط وسيطرة على الدول المنتجة للطاقة، خصوصا في الشرق الأوسط.

وأي تحرك عراقي باتجاه سلة عملات أو التعامل باليوان أو اليورو سيفسّر في واشنطن كتحول استراتيجي خارج المدار الأمريكي.

من جهة أخرى، الصين وروسيا وإيران ترى في هذا التوجه فرصة لبناء منظومة مالية موازية للنظام الغربي، تدعم التبادل بالعملات المحلية وتقلل من النفوذ الأمريكي على الأسواق.

أما دول أوبك فتميل بحذر إلى دعم هذا المسار، لأنها تبحث عن تنويع قنوات التسعير والاحتياط، لكن دون تحد مباشر لواشنطن.

لذلك، يحتاج العراق إلى توازن ذكي بين الانفتاح والتحصين:

-أن يفتح الباب للتعامل المتعدد العملات دون أن يتحول إلى ساحة صراع مالي بين الشرق والغرب.

-وأن يجعل من هذا التحول مشروع استقلال نقدي لا مغامرة سياسية.

•إدارة المخاطر

ان نجاح أي خطة نقدية بهذا الحجم مرهون بمرونتها، لذا يجب الإبقاء على إمكانية تعديل الجدول الزمني وفق المتغيرات العالمية، إلى جانب المراجعة الدورية لمستويات التضخم وسعر الصرف، والأهم من هذا كله هو التواصل المستمر مع المواطن لتوضيح الخطوات وأهدافها، حتى لا يتحول القلق الشعبي إلى مقاومة اقتصادية.

• اخيرا

إنّ فك الارتباط بالدولار ليس مفاضلة بين الاستقرار والسيادة، بل هو سعي لتحقيق الاثنين معا عبر منظومة اقتصادية منتجة.

وبدون إنتاج محلي مستدام ومشاركة فاعلة من المواطنين في النشاط الاقتصادي، ستبقى أي محاولة للتحرر النقدي ناقصة ومهددة بالانتكاس.

وخطوة فك الارتباط، إذا نفذت بعقلانية وتخطيط متقن، يمكن أن تحوّل السيادة من شعار سياسي إلى واقع اقتصادي ملموس، شريطة توافر ثلاثة عناصر:

-إرادة سياسية موحدة.

-قيادة نقدية حكيمة.

-دعم شعبي واعي.

فالنجاح ممكن، لكن ثمن الفشل باهظ، لذلك يبقى التدرج المدروس والتخطيط الواقعي هما السبيل الوحيد لتحويل التحدي إلى إنجاز اقتصادي حقيقي.

المصادر:

1-صندوق النقد الدولي (2024): تقرير استقرار القطاع المالي العالمي.

2- البنك المركزي العراقي (2024): بيانات السياسة النقدية والاحتياطيات الأجنبية.

3-وزارة المالية العراقية (2024): إحصاءات الإيرادات والإنفاق العام.

4-بنك الشعب الصيني (2024): اتفاقيات المقايضة الدولية.

5-معهد الدراسات الاستراتيجية في موسكو (2024): مستقبل النظام النقدي متعدد الأقطاب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *