يبدو المشهد العراقي المعاصر كجسدٍ تتنازعه ذاكرتان لا تتكلمان اللغة نفسها ولا تنظران إلى التاريخ من الزاوية ذاتها، جسدٌ يحمل في أحشائه بقايا إمبراطورياتٍ ومآتم، سلطاتٍ وسرديات، أحلامًا بالعدل وحنينًا إلى القوة، فحين يتكلم السياسي العراقي من موقع التجربة، تنفلت من عباراته أحيانًا إشاراتٌ أنثروبولوجية لم يقصدها لكنّها تكشف عن طبيعة التكوين العميق للوعي الجمعي، قال محمد الحلبوسي (رئيس مجلس النواب العراقي الأسبق) قبل أيام في مقابلة تلفزيونية: “المواطن الشيعي بتركيبته أسهل وأبسط من المواطن السني، قنوع، فقط لا يمسّ أحدٌ عقيدته ولا أحدٌ يمسّ معتقداته، والباقي سهل.” وهي جملة تبدو في ظاهرها توصيفًا اجتماعيًا عابرًا لكنّها في جوهرها مفصلٌ في خريطة النفس العراقية، لأنَّها تستبطن وعيًا تاريخيًا تشكل وتمت هندسته على وقع الحرمان والسيادة، على إيقاع الفقد والسلطة، على مسرحٍ واحد تتقاطع فيه الذاكرة الدينية مع التجربة السياسية وتتصارع فيه صورتان للعالم، إحداهما طقسية والثانية سلطوية.
فمن الناحية السوسيولوجية لا يمكن فهم عبارة الحلبوسي إلَّا بوصفها تعبيرًا عن شكلين من الحساسية التاريخية، فالمزاج الشيعي- كما تبلور في سياق قرونٍ من الإقصاء- تشكّل على هيئة وعي مزدوج، وعيٍ بالحرمان ووعيٍ بالصبر، ومن هذه الازدواجية وُلدت شخصيةٌ جماعية مرنة اجتماعيًا لكنّها صلبة عقائديًا، فهي تقبل التفاوض في السياسة اليومية ولكنّها لا تسمح بالمساس بالرمز الذي يؤسس وجودها ويبرّر استمرارها، أمّا المزاج السني فقد انبثق من ذاكرةٍ طويلة من التمركز حول السلطة وهويتها، إذ أصبح النظام جزءًا من الميتافيزيقا اليومية، والانضباط بالقوة جزءًا من الإيمان، وهكذا غدت الشخصية السنية أكثر تحفّظًا اتجاه نفسها واتجاه الآخر، لأنّها تنتمي إلى تقليدٍ يرى في الدولة انعكاسًا للعقيدة وفي النظام امتدادًا للوجود.
وأتذكر أنّ حسن العلوي- الكاتب العراقي- قد ألمح إلى هذا المعنى بذكاءٍ لافت حين قال: “السني عينه على المنطقة الخضراء، والشيعي عينه على الجنة الخضراء.” وهي عبارة تلخّص المسافة بين المقدّس والسياسي في الوعي العراقي، وتكشف بطريقة ساخرةٍ وعميقة عن تموضع كلٍّ من الهويتين داخل أفقٍ رمزيٍّ مختلف: أحدهما يقدّس النظام بوصفه ضمانةً للأمان، والآخر يقدّس الفقد بوصفه وعدًا بالخلاص.
إن الفرق بين “السهولة” و”الصعوبة” في خطاب الحلبوسي لا يعبّر عن تفاوتٍ في الأخلاق أو الطباع، وإنما عن اختلافٍ في البنية الرمزية التي تنتج المعنى داخل كل جماعة، فالشيعي يُفرّغ توتره في الطقس، في البكاء والمأتم والزيارة، أي في ممارسةٍ جماعية تمنحه توازنًا وجوديًا يقيه من الانفجار السياسي، أمّا السني فيُعيد إنتاج توتره في النظام وفي الدفاع عن السلطة، لأنّ استقرار العالم عنده مرهونٌ باستقرار الهرمية، وهكذا يغدو الأول كائنًا طقوسيًا والثاني كائنًا نظاميًا سلطويًا، الأول يحتج بالعاطفة والثاني يحرس النظام بالتدبير، الأول يعيش المقدّس كجرحٍ مفتوح والثاني يعيش المقدّس كتراتبيةٍ مغلقة.
ومن زاويةٍ أنثروبولوجية أعمق، يمكن القول: إن التشيّع قد حوّل المأساة إلى هوية والذاكرة إلى ميتافيزيقا للفقد، فالمقدّس هنا ليس عقيدةً فقط بل ذاكرة نجاة من محوٍ تاريخي، أما التسنّن فقد حوّل النظام إلى هويةٍ والسلطة إلى ذاكرة، فالمقدّس عنده يتجسد في الاستقرار وفي استعادة الشكل الكامل للعالم، ومن هنا تتبدّى جملة الحلبوسي في ضوء نظرية المقدّس كما قرأها مارسيل موس، فالمجتمع الذي يعيش طويلًا في موقع الضحية يعيد إنتاج مقدّسه بوصفه آلية مقاومة، بينما المجتمع الذي عاش طويلًا في موقع السلطان يعيد إنتاج مقدّسه بوصفه نظامًا للحماية، وبين الضحية والسلطان تتحرك الشخصية العراقية ككائنٍ ممزقٍ بين طقسٍ يفيض بالعاطفة وسلطةٍ تبحث عن التوازن في الواقع.
الدولة العراقية الحديثة(التي فشلت في صناعة أمة متماسكة بخطاب أيديولوجي كما كتب فالح عبد الجبار) كانت ساحةً لتصادم هذين الشكلين من الذاكرة، فحين سقطت السلطة المركزية في 2003 لم تُفتح صفحة جديدة بقدر ما انفجرت الذاكرات القديمة دفعةً واحدة، إذ وجد الشيعي نفسه أمام فرصة للاعتراف الرمزي، ووجد السني نفسه أمام تهديدٍ لفقدان الذاكرة السلطوية، وهكذا أصبحت الدولة ساحةً لتوزيع الشرعية الرمزية، لا حقلًا للمواطنة، وغدت السياسة إعادةً متواصلة لتلك الثنائية التي أشار إليها الحلبوسي من حيث لا يدري، فكلُّ مفاوضةٍ على السلطة في العراق هي مفاوضة بين ذاكرة الضحية وذاكرة الحاكم، بين من يطلب الاعتراف ومن يطلب الاستعادة.
على هذا الأساس يمكن فهم المزاج الشيعي كإستراتيجية اجتماعية للبقاء، لا كصفةٍ نفسية، فحين يلين الشيعي اجتماعيًا إنما يفعل ذلك لأنّه يملك فضاءً داخليًا مقدّسًا يمنحه شعورًا بالتماسك، أي أنّ مرونته في الواقع هي وجه آخر لصلابته في الرمز، بينما يبدو المزاج السني أكثر صلابة لأنّه يعيش قلق الانحدار من المركز، يحرس رمزيته من الانهيار ويستعيض عن الفقد السياسي بالتمسك بالنظام بوصفه ضمانة المعنى، وهكذا تتبدى الصورتان بوصفهما تجلّيين لوعيٍ تاريخيٍّ لم يُفكَّك بعد.
إن ما قصده الحلبوسي من غير وعيٍ فلسفيٍّ هو أنَّ العراق يعيش اليوم تناقضًا بين مجتمعٍ يفيض بالطقوس ومجتمعٍ يتشبّث بالنظام، بين ذاكرةٍ تستمد شرعيتها من الدم وذاكرةٍ تستمدها من السلطة، لكنّ كلا الذاكرتين فقدتا القدرة على التحوّل إلى مشروع إنساني جامع، لأنهما ما تزالان أسيرتين في منطق الهوية لا في منطق المعنى، ومن هنا فإن التحدي الأكبر للعقل العراقي المعاصر ليس في توحيد الطوائف بل في إنتاج أنثروبولوجيا للذات العراقية تعيد تعريف العلاقة بين المقدّس والدولة، بين العاطفة والعقل، بين الطقس والسلطة.
إن مهمة الفكر هنا أنّ ينقل المقدّس من كونه ذاكرةً مغلقة إلى كونه لغةً للتأويل، وأنّ يحوّل الوعي الديني من وعيٍ بالثأر أو الامتثال إلى وعيٍ بالنقد والمشاركة في صنع المعنى، فالمجتمعات التي لا تفكك ذاكراتها تظلّ تكرّر مأساتها، والهوية التي لا تتحوّل إلى نقدٍ للذات تظلّ حبيسة الخوف من الآخر، أمّا العراق الذي يبحث عن خلاصه فليس بحاجة إلى طائفةٍ منتصرة أو طقوسٍ أكثر صخبًا، بل إلى ولادة وعي ثالث، وعيٍ يتجاوز الثنائية المأزومة بين “السهولة” و”الصعوبة”، بين “الضحية” و”السلطان”، نحو أفقٍ إنسانيٍّ يجعل من المقدّس طاقة للمعنى لا أداة للانغلاق، ومن الدولة ذاكرةً مشتركة لا غنيمة متوارثة، حينها فقط يغدو العراق ممكنًا كفكرةٍ لا كجغرافيا، وكهويةٍ تتكلم لغة الإنسان قبل أنّ تتكلم لغة الدم.
