في خضمّ هذا التدافع العنيف والاشتباك المفتوح الذي تعيشه منطقتنا، من دون أفقٍ واضح لنهاياته أو مآلاته، إذ تتقاطع حروب متعدّدة- قد تبلغ سبع جبهات أو تزيد- في أعقاب عملية “طوفان الأقصى”، وما خلّفته من ارتدادات قاسية على المستويات النفسية والذهنية والروحية للمجتمعات ، يجد الإنسان نفسه إزاء مشهد مثقل بالضغط والاختناق. مشهدٌ تتجاور فيه العربدة الأميركية من جهة، والتوحّش الإسرائيلي من جهة أخرى، في اشتباك مباشر أو غير مباشر مع دول المنطقة ومجتمعاتها، وفي طليعتها إيران، بينما يحضر الدور التركي على نحو مغاير، اشتغالٌ في الظلّ، وتوسيعٌ للأذرع، وربطٌ هادئ للمصالح عبر أكثر من اتجاه، في وقت فقدت فيه أنقرة حليفها الروسي إثر الطعن به خلال اجتياح الجولاني الأخير وإسقاطه لنظام الأسد.
ولستُ هنا بصدد الانخراط بتحليل سياسيّ مباشر، فذلك مقامٌ آخر وموضوعٌ مستقلّ، بيد أنّ ما يعنيني هو أنّ هذا المناخ المشحون، وهذه المساحة من الفضاء العام التي نعيشها يوميًا وتستحوذ على وعينا وتثقل تفكيرنا وتأمّلاتنا، كانت كفيلة بأنّ تستدعي إلى الذهن تساؤلًا لا أدّعي الحسم في جديته أو جدواه، لكنّه مع ذلك يفرض نفسه بوصفه سؤالًا يستحقّ التأمّل والتتبّع وكشف خلفياته وآثاره- على الأقل بالنسبة لي.
يدور هذا التساؤل حول التجربتين الإيرانية والتركية، وحول مقدار القرب والقوة والحضور والعمق الذي مثّلته كلٌّ منهما في الوعي الإسلامي وفي تجربته التاريخية الممتدّة عبر قرون طويلة. والسؤال الذي قفز إلى الذهن، على نحوٍ مفاجئ، هو: لماذا بدت التجربة الإيرانية- في عصورها المختلفة- أعمق وأكثر كثافة في حضورها الفلسفي والديني والعلمي من التجربة التركية؟ ولماذا تركت أثرًا أوضح في تشكيل البنى المعرفية والخيال الديني الإسلامي؟
إنّه سؤال يُطرح هنا بوصفه سؤالًا علميًا محضًا، متحرّرًا من أي باعثٍ إيديولوجي، أو انحيازٍ سياسيّ مسبق. سؤال ظلّ، لوقت غير قصير، مطمورًا في الداخل، مؤجّلًا بلا صياغة مكتملة ولا أفق بحثيّ واضح، إلى أنّ عاد إلى السطح في الآونة الأخيرة، بسبب طبيعة تعامل كلٍّ من التجربتين الإيرانية والتركية مع أحداث المنطقة وتصدّعاتها المخيفة، بوصفه إشكالًا فكريًا يستدعي إعادة النظر في تاريخ تشكّل العقل الإسلاميَّ بين الجغرافيا والسلطة والمعرفة.
وقد تبلور هذا السؤال أكثر حين انخرطتُ في إعداد دراسة متكاملة تتناول مشروع المفكّر محمد أركون، ولا سيَّما مقارباته للعقل الشيعي وتراثه ولاهوته، مع التوقّف عند محطّات مفصلية في بلورة رؤيته القرآنية. وقد استدعى ذلك مراجعة كتاب الشيخ مرتضى مطهري “الإسلام وإيران”، الذي طالعتُه بشغف في مرحلة الماجستير، لأعود هذه المرّة إلى تأمّل بعض إضاءاته ومحطّاته المفصلية . وهو كتاب جدير بالقراءة وجدير بالتأمّل، إذ يتكشّف من خلاله الأثر الإيراني العميق في تضاريس الوعي الإسلاميَّ، من أنماط التمدّن والفنون والآداب والفلكلور والفلسفة، إلى كيفية اندماج الإسلام بعناصر محلّية صاغت خصوصياته، فبات يعبّر عن نفسه بملامح الثقافة الإيرانية.
ولعلّ ذلك يستدعي إلى الذاكرة العبارة الشهيرة المنسوبة إلى الشيخ مطهري، حين أشار إلى أنّ “الفتوى من العجم تُشمّ فيها رائحتهم، والفتوى من العرب تُشمّ فيها رائحتهم”، تأكيدًا على أنّ كلّ فضاءٍ اجتماعي وإطارٍ معرفي يترك بصمته الخاصة على النصوص الدينية وتطبيقاتها. في هذا السياق، تبدو إيران ضفيرةً إثنية واجتماعية وروحانية متراكبة، تمنح الإنسان إمكانات واسعة للتأمّل والتدبير، وتكشف عن عمق رمزي ومعرفي متغلغل في الوعي الإسلاميَّ، ولا سيّما في القرن الرابع الهجري إبّان التجربة البويهية، إذ تشكّلت وترسمت مناطق حسّاسة من التداخل بين الفعل السياسي والإنتاج المعرفي.
في المقابل، إذا ما قيس هذا الوجود المعرفي الإيراني بالحضور التركي، يتبدّى اختلافٌ جوهري في طبيعة الدور. فالأتراك، منذ السلاجقة في العصر العباسي وصولًا إلى الدولة العثمانية، أدّوا دورًا مركزيًا في السياسة وبناء الدولة، واستمرّ هذا المسار حتى إعلان الجمهورية التركية عام 1924م، على يد مصطفى كمال أتاتورك في حين ظلّ إنتاجهم المعرفي والفلسفي والديني أقل عمقًا مقارنة بالامتداد الإيراني.
وهكذا، تضعنا المقارنة بين الفضاءين الإيراني والتركي أمام جدلية مركزية، جدلية المعرفة والسلطنة، وامتداد الحضارة وروح الدولة، وثقافة تُنتج الدولة من داخلها، في مقابل ثقافة تتشكّل حول الدولة وتدور في فلكها. إنها مفارقة تاريخية وحضارية تكشف عن أبعاد العلاقة بين العقل والفعل، وبين الفكر والسياسة ، وتضع القارئ أمام سؤال أعمق عن طبيعة التأثير الثقافي والمعرفي في مسار الحضارة الإسلاميَّة.
فالإيرانيون، منذ مرحلة مبكرة، أسّسوا لنمطٍ من الحضور الثقافي تجاوز حدود السياسة الضيقة. إن أسماءً مثل ابن سينا، والسهروردي، والبيروني، ونصير الدين الطوسي، ليست مجرد أعلامٍ في سجلّ العلوم والفلسفة، بقدر ما هي مؤشّرات على تقليدٍ معرفي تشكّل داخل الفضاء الإيراني، وانفتح على عوالم بغداد والترجمة والمنطق اليوناني . لقد كانت الثقافة في هذا السياق، أفقًا تُنتج الدولة من داخله لا جهازًا تابعًا لسلطةٍ عسكرية.
وعندما ننظر إلى الامتداد الأدبي والفلسفي والصوفي- من الفردوسي إلى حافظ وسعدي والرومي- ندرك أننا أمام رؤية للعالم ترى في الجمال والمعنى وسؤال الوجود عناصر مؤسسة للهوية الثقافية، لا مجرّد زخارف جمالية. وهو ما جعل الحضور الإيراني يتجذّر ويغوص في بنية الحضارة الإسلاميَّة بما يتخطى حدود الجغرافيا القومية.
على الطرف الآخر، تألف الحضور التركي في سياقٍ مغاير تمامًا. فقد دخل الأتراك- بشكل مكثف- الفضاء الإسلاميَّ من بوابة القوة العسكرية والسلطنة، بدءًا من السلاجقة الذين أعادوا هيكلة السلطة في بغداد، وصولًا إلى العثمانيين الذين بلغوا ذروة الحضور السياسي. ورغم تأسيس مؤسسات تعليمية كالنظاميات، ظلّ الأثر المعرفي أقلّ من أنّ يوازي القوة السياسية، إذ انصبّ الجهد الأساسي على تثبيت جهاز الدولة وإدارة السلطنة. وليس ذلك لأنّ الأتراك يفتقرون إلى الثقافة ، وإنَّما لأن دورهم التاريخي تشكّل داخل أفق الدولة لا داخل أفق المعرفة. فقد أنتج العثمانيون عمارةً مهيبة ، وفنون خطّ ومخطوطات ، وشعرًا ديوانيًا، ونظامًا إداريًا بالغ التعقيد، غير أنّ هذه المنجزات ظلّت في معظمها ظلًا للسلطنة والفرمانات، لا أساسًا لتقليد فلسفي أو علمي متكامل. فبقيت السياسة ونفوذها وقوتها وأدواتها مركز الثقل، وتحوّلت الثقافة إلى عنصر تجميلي للدولة، لا إلى قاعدة معرفية مستقلة.
وربما تكمن جذور هذه المفارقة في عوامل تاريخية وثقافية متعدّدة، فإيران ورثت قبل الإسلام تقاليد معرفية عميقة من الزرادشتية والمانوية ومدرسة جنديسابور، ما جعلها أكثر قابلية للانخراط في مشروع العلم والفلسفة. كما أسهمت اللغة الفارسية ، بانفتاحها المبكر على العربية، في خلق فضاء ثقافي مشترك أتاح توازنًا بين العقل البرهاني والخيال الروحي. أمّا الأتراك، فقد دخلوا العالم الإسلامي من بوابة البداوة والقبيلة، وتموضعوا مبكرًا داخل الجهاز العسكري للدولة، الأمر الذي جعل علاقتهم ببنية المعرفة أقل عمقًا وأكثر التصاقًا بوظيفة السلطة.
ما قدّمته في هذه المقالة ليس سوى قراءة أولية مستعجلة انبثقت من تساؤل أراه جديرًا بأنّ يُدرس ويُقارب على أكثر من مستوى، بما يسمح بتكشيف طبقات الوعي في كلٍّ من التجربتين، وتتبع آثار المعرفة والفنون ، واستجلاء منطلقات كلّ منهما التاريخية والثقافية وأثر ذلك في تكوين العقل المعرفي في التجربتين. ولا أدّعي هنا لنفسي كشفًا جديدًا أو اكتشافًا لهذه الطبقات، بقدر ما أقدّم محاولة إضاءة لمساحات ظلت، في تقديري، قابلة للمساءلة والتفكير ، وربما يجد فيها بعض القرّاء ما يستحقّ التوقّف والتأمّل.
