المال القذر عند صناديق الاقتراع غسل الأموال في الدعاية الانتخابية العراقية 2025: بين نهاية الدعاية وبداية التصويت

المال القذر عند صناديق الاقتراع غسل الأموال في الدعاية الانتخابية العراقية 2025: بين نهاية الدعاية وبداية التصويت
تكشف الدراسة عن تحوّل الدعاية الانتخابية في العراق إلى قناة رئيسة لغسل الأموال، مع إنفاقٍ تجاوز أربعة تريليونات دينار عام 2025، في ظلّ ضعف الرقابة المؤسسية، ما يجعل المال الفاسد أداةً لتزييف الديمقراطية وتهديد الاقتصاد الوطني....
تتناول هذه الدراسة التحليلية الاستشرافية العلاقة المتشابكة بين المال والسياسة في العراق من خلال تتبّع ظاهرة غسل الأموال داخل الحملات الانتخابية، مع تحليل كمي نوعي لمصادر التمويل وحجم الإنفاق في انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2025.

مع حلول الساعات الأخيرة من الدعاية الانتخابية لعام 2025 ودخول العراق مرحلة “الصمت الانتخابي” إيذانًا ببدء عملية التصويت، تبرز إلى السطح واحدة من أخطر الظواهر التي رافقت الحملات الانتخابية الحديثة: تدفق الأموال غير المشروعة إلى ساحة السياسة تحت غطاء الدعاية الانتخابية.

فبينما تستعد المراكز الانتخابية لاستقبال الناخبين، تتحرك في المقابل شبكات التمويل السياسي والمصرفي لإغلاق حسابات وهمية، وتسوية نفقات الدعاية بمبالغ ضخمة يصعب تتبّع مصدرها. هذه اللحظة الانتقالية — بين نهاية الدعاية وبداية الاقتراع — تمثل الذروة في عملية غسل الأموال السياسية، حيث يتحول المال الأسود إلى نفوذ سياسي فعلي داخل صناديق الاقتراع.

تُظهر المعطيات الأولية لانتخابات 2025 أن الإنفاق الانتخابي تجاوز حدود المنطق الاقتصادي، إذ تراوحت التقديرات بين ثلاثة إلى أربعة تريليونات دينار عراقي، في ظل غياب شبه تام لدور مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في تتبّع هذه التدفقات. ومع غياب الإفصاح المالي من القوائم والمرشحين، تتجذر ظاهرة “المال الانتخابي المغسول” كعامل مفسد للبيئة الديمقراطية، ومهدّدٍ لبنية الاقتصاد الوطني الذي يرزح أصلًا تحت ضغط الفساد الإداري والتهريب المالي.

هذه المرحلة الحساسة ليست مجرد حدث انتخابي، بل تمثل اختبارًا لبنية الدولة الرقابية، ومدى قدرتها على حماية المسار الديمقراطي من هيمنة رأس المال الفاسد. ومع انطلاق التصويت، تتكثف الأسئلة:

هل يختار المواطن ممثليه بحرية، أم أن صناديق الاقتراع باتت تُملأ بأموال غُسلت عبر الإعلانات، والولاءات، والتحالفات الاقتصادية؟

وهل يمكن اعتبار العملية الانتخابية ممارسة ديمقراطية حقيقية، إذا كانت ممولة من مصادر مالية مجهولة أو مشبوهة

وتبرز الدراسة إخفاق مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في متابعة هذه التدفقات المالية غير المشروعة، وتأثيراتها الاقتصادية والاجتماعية البنيوية على الدولة والمجتمع. وتخلص إلى أن غياب الرقابة المتكاملة حول العملية الانتخابية جعلها أحد أخطر منافذ غسل الأموال في العراق الحديث.

منذ عام 2005، شكّلت الانتخابات في العراق منصة رئيسة لتقاطع المال بالسلطة، وتزاوج رأس المال غير المشروع مع الطموح السياسي.

فمع كل دورة انتخابية، تزداد الكلفة المالية للحملات بشكل يفوق القدرة الطبيعية للمرشحين والأحزاب، مما يثير تساؤلات حول مصادر تلك الأموال وآليات ضخها في السوق الانتخابية.

ورغم أن العراق يمتلك إطارًا قانونيًا عبر قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (39) لسنة 2015، فإن تطبيق هذا القانون بقي قاصرًا عن مراقبة التمويل السياسي، إذ لم تُدرج الحملات الانتخابية ضمن الأنشطة الخاضعة للتحليل المالي أو التحقيق الجنائي.

نتيجة لذلك، أصبحت الدعاية الانتخابية واجهة مشروعة لغسل أموال الفساد، وإعادة إدماجها في الاقتصاد الرسمي تحت مسمى “التمويل الانتخابي المشروع”.

الإنفاق الانتخابي في انتخابات مجلس النواب لعام 2025

بلغت تقديرات الإنفاق الانتخابي خلال انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2025 مستويات غير مسبوقة، إذ تراوحت بحسب مؤشرات السوق والتحليل المالي بين 3 إلى 4 تريليونات دينار عراقي، أي ما يعادل نحو 2.2 إلى 3 مليارات دولار أمريكي، ما يجعلها واحدة من أعلى العمليات الانتخابية كلفة في المنطقة العربية قياسًا بالناتج المحلي الإجمالي وعدد المقاعد النيابية.

توزّعت هذه المبالغ على عدة مسارات رئيسية، كان أبرزها الإنفاق على الإعلانات الخارجية والميدانية، والتي استحوذت على ما يقارب 40% من مجموع النفقات، وتشمل لوحات الطرق، الواجهات الدعائية، سيارات الحملات، والمطبوعات الإعلانية. وقد شهدت المدن الكبرى كـبغداد والنجف والبصرة وكربلاء انتشارًا كثيفًا للبانرات والواجهات الرقمية، بلغت تكاليف تأجير بعضها مئات ملايين الدنانير في موقع واحد فقط، وهو ما يُعدّ مؤشراً واضحًا على وفرة السيولة النقدية غير المبررة.

أما الإنفاق الرقمي عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات الممولة عبر منصات Meta وGoogle، فقد شكّل نسبة تتراوح بين 5 إلى 15% من الكلفة الإجمالية، وهي نسبة متزايدة مقارنة بالانتخابات السابقة، حيث بلغت بعض القوائم السياسية سقف مئات آلاف الدولارات في إعلانات ممولة خلال فترة لا تتجاوز أسابيع قليلة، بحسب بيانات منصات الإعلانات الرسمية.

في المقابل، تمثّل عمليات شراء الأصوات وتمويل الزعامات العشائرية والوسطاء المحليين واحدة من أكثر مظاهر الإنفاق خطورة، إذ يُقدَّر أن ما بين 15 إلى 30% من الأموال الانتخابية صُرفت نقدًا خارج النظام المصرفي الرسمي.

هذه المدفوعات غالبًا ما تتم عبر وسطاء أو مجالس عشائرية أو شبكات توزيع ميدانية تُقدِّم الدعم النقدي أو العيني مقابل الولاء الانتخابي، في غياب تام لأي رقابة مالية أو مصرفية.

كذلك شكّلت تكاليف إدارة الحملات ومكاتب الدعاية والكوادر والفعاليات التنظيمية ما بين 10 إلى 20% من إجمالي النفقات. وتتوزع هذه الأموال على رواتب ميدانية، وتكاليف إيجار مقرات، ونفقات النقل والإقامة، إضافة إلى عقود مع شركات محلية تقدم خدمات إعلامية واستشارية.

أما النسبة المتبقية، والبالغة تقريباً من 5 إلى 15%، فتمثّل التحويلات عبر شركات واجهة أو جمعيات خيرية أُنشئت حديثًا لتكون قنوات مالية تُخفي المصدر الحقيقي للتمويل.

هذه الشركات، التي غالبًا ما تسجل نشاطها كمؤسسات دعاية أو خدمات اجتماعية، تؤدي دوراً محورياً في مرحلة “التغطية” (Layering) في عمليات غسل الأموال، إذ تُدخل الأموال في مسارات ظاهرها مشروع لتسهيل دمجها لاحقًا في الدورة الاقتصادية والسياسية الرسمية.

بهذا الشكل، فإن الإنفاق الانتخابي في العراق لا يمكن اعتباره مجرّد سلوك دعائي مكلف، بل يمثل بنية مالية متكاملة لتبييض الأموال وإعادة إنتاج الفساد السياسي في صورة شرعية انتخابية.

مصادر الأموال الانتخابية

تُظهر البيانات والتحقيقات الاقتصادية أن مصادر تمويل الحملات الانتخابية في العراق تنقسم إلى شريحتين:

الشريحة الأولى

ذات مظهر قانوني، وتشمل التبرعات المعلنة من رجال أعمال وشركات خاصة ذات علاقات مع أحزاب أو نواب، إضافة إلى تمويل ذاتي من المرشحين عبر قروض أو أصول شخصية. هذه المصادر، رغم مشروعيتها الشكلية، تُعدّ غير شفافة لأنها لا تخضع لتدقيق مستقل أو إفصاح مالي.

الشريحة الثانية

فهي ذات طبيعة غير مشروعة أو مشبوهة، وتضم الأموال الناتجة عن الفساد الإداري والاختلاس من العقود الحكومية، وعائدات التهريب والجباية غير الرسمية من المنافذ الحدودية، وكذلك التحويلات القادمة من الخارج عبر شبكات وسيطة أو جمعيات غير حكومية تعمل كواجهات سياسية.

ويُعد هذا النمط من التمويل أخطر صور غسل الأموال، لأنه يدمج بين رأس المال الفاسد والشرعية الانتخابية، محولًا المال الأسود إلى سلطة بيضاء بغطاء قانوني وانتخابي.

إخفاق مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

رغم وجود هيكل مؤسسي ضمن البنك المركزي لمكافحة غسل الأموال، إلا أن المكتب أخفق في التعامل مع التمويل الانتخابي بوصفه نشاطًا عالي الخطورة.

فقد بقي دوره محصورًا في مراقبة التحويلات المصرفية التقليدية، بينما تتم معظم عمليات التمويل الانتخابي خارج النظام المصرفي نقدًا أو عبر شركات صرافة صغيرة، لا تخضع لآلية الإبلاغ الفعّالة.

كما غابت آليات التعاون بين المكتب والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، ما جعل تتبع مصادر تمويل المرشحين والقوائم أمرًا شبه مستحيل.

وبذلك، تحوّل المكتب من جهاز وقائي إلى جهاز إداري رمزي يفتقر إلى أدوات الاستخبار المالي الحديثة أو قاعدة البيانات المشتركة.

الأثر البنيوي على الاقتصاد والمجتمع

تسبّب تضخّم الإنفاق الانتخابي في اضطراب واضح في البنية النقدية العراقية. فقد شهدت السوق خلال فترة الانتخابات زيادة مفاجئة في الطلب على النقد المحلي والدولار الأمريكي نتيجة ضخ الأموال السياسية في السوق، ما رفع معدلات التضخم الموقت وأسعار بعض السلع والخدمات.

كذلك أدّى استخدام النقد خارج النظام المصرفي إلى توسيع دائرة الاقتصاد الموازي، وتقويض قدرة البنك المركزي على ضبط الكتلة النقدية.

اجتماعياً، ساهم هذا الإنفاق غير المنضبط في تكريس ثقافة “المال الانتخابي”، وأضعف ثقة المواطن بالعملية الديمقراطية، حيث تحوّل الصوت الانتخابي إلى سلعة تُشترى وتُباع، بينما يُستبعد المرشحون أصحاب البرامج الإصلاحية الفعلية لافتقارهم للمال السياسي.

تُشير الاتجاهات الراهنة إلى أن استمرار غياب الرقابة المؤسسية سيؤدي إلى تبلور منظومة مالية – سياسية موازية، تسيطر فيها شبكات المال الانتخابي على القرار الاقتصادي والبرلماني.

كما يُتوقّع أن ينتقل غسل الأموال تدريجيًا من السوق السوداء إلى بنية الدولة نفسها، بحيث تصبح الوزارات والهيئات التنفيذية أدوات لإعادة تدوير الأموال الانتخابية.

وستكون النتيجة المباشرة لذلك هي إضعاف النظام المصرفي الرسمي، وتآكل الثقة بالدينار العراقي، وتراجع فرص الاستثمار الحقيقي أمام المال السياسي الملوث.

التوصيات والإصلاحات المقترحة

1. تأسيس وحدة رقابة مالية انتخابية مشتركة بين مكتب مكافحة غسل الأموال، مفوضية الانتخابات، وهيئة النزاهة، تتولى متابعة مصادر تمويل الحملات الانتخابية.

2. إلزام الأحزاب والمرشحين بالإفصاح المالي الشامل قبل الترشيح وبعد الانتخابات، مع نشر تقارير مالية دورية للعلن.

3. تعديل قانون مكافحة غسل الأموال لعام 2015 ليشمل التمويل السياسي صراحةً ضمن الأنشطة الخاضعة للمراقبة والتحليل المالي.

4. رقمنة عملية تتبع الإنفاق الانتخابي باستخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة لرصد التحويلات المشبوهة خلال فترة الحملات.

5. تقييد نشاط شركات الإعلان والمطابع والمؤسسات الإعلامية عبر نظام ترخيص مسبق وإفصاح عن كل عقد دعائي ذي صلة بمرشح أو حزب سياسي.

6. إطلاق تقارير شفافة نصف سنوية تنشرها المفوضية أو البنك المركزي حول حجم الإنفاق الانتخابي، كمؤشر للرقابة العامة.

تكشف ظاهرة غسل الأموال في الدعاية الانتخابية العراقية عن واحدة من أكثر صور تداخل المال بالسياسة خطورة، إذ تحوّلت العملية الانتخابية إلى وسيلة لتدوير الأموال الفاسدة في الاقتصاد الوطني.

إن اخفاق مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في التصدي لهذا المسار لا يمثل مجرد خلل إداري، بل خللاً بنيويًا في الحوكمة الاقتصادية والسياسية، يعيد إنتاج الفساد بآلية قانونية مغلّفة بالديمقراطية.

ولذلك، فإن حماية العملية الانتخابية من المال القذر لا تعني فقط ضمان نزاهة الانتخابات، بل هي حماية للاقتصاد الوطني واستقرار الدولة.

إن كل دينار يُغسل في صندوق الدعاية الانتخابية هو صوت مزيّف يُضعف السيادة الوطنية ويشوّه المسار الديمقراطي في العراق.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *