ما الذي يحدث ؟يتردد بين الحين والآخر في العراق اخبار واراء حول افلاس العراق او افلاس الخزينة او ان البلد سوف يعلن افلاسه وانه حالما يرفع الامريكي يد الحماية علينا فأن العراق سوف يصبح تحت رحمة الدائنين والخ . مجمل هذه الاراء لا تستند على قاعدة تحليل اقتصادية اطلاقاً وانما تنطلق من توجسات ومخاوف ومن تصورات في تحسن الاحوال . محددات فهم قضية الدين العراقيما هي المؤشرات الفعلية التي تعطي المؤشرات الحقيقية لأفلاس بلد ما ؟ انها كالتالي :التوقف عن سداد الديون السيادية (Sovereign Default):عندما لا تستطيع الحكومة دفع أصل الدين أو الفوائد المستحقة في موعدها، أو تطلب “إعادة جدولة” الدين بشروط أسوأ. 2. انهيار العملة وفقدان الثقة:حين تفقد العملة قيمتها بسرعة كبيرة بسبب فقدان الثقة في قدرة الدولة على إدارة اقتصادها أو تسديد ديونها، ما يؤدي إلى تضخم مفرط وارتفاع الأسعار بشكل حاد. 3. عجز الدولة عن تمويل ميزانيتها أو استيراد الأساسيات:عندما تصبح الحكومة غير قادرة على دفع الرواتب أو تمويل الخدمات العامة أو استيراد السلع الأساسية (كالوقود والدواء والغذاء). هناك مؤشرات اقتصادية عامة تتعامل مع حجم الديون وتقيس قيمة الدين العام الى الناتج المحلي الاجمالي لكل بلد . لماذا يتم استخدام هذا المؤشر ؟ لأنه يقيس الموارد المتاحة والتي من خلالها يتم تسديد الديون ( اقساط الديون والفوائد )، مع قيمة الدين العام ، وجود ناتج محلي اجمالي مستقر مع نمو مستمر مع ثبات حجم الدين فأن هذا يعني ان البلد قادر على التسديد ولا توجد خطورة افلاس عليه . عندنا نرجع إلى المعطيات الاساسية في تركيبة الديون العراقية سوف نجد انها تتشكل من ثلاثة اجزاء ( ١٣ مليار دولار ديون خارجية بالعملة الصعبة اغلبها ناتج عن تمويل مشاريع اعادة الإعمار ، ٦٩ مليار دولار ديون داخلية حوالي ٩١ ترليون دينار ، ٤٠ مليار دولار ديون خارجية مجمدة غير واجبة السداد حاليا ). اي ان مجموع الديون الكلي يبلغ ١٢٢ مليار دولار . الناتج المحلي الاجمالي العراقي يبلغ ٢٧٠ مليار دولار، اي ان نسبة الدين إلى الناتج المحلي الاجمالي تبلغ حوالي ٤٥٪ وهي نسبة مرتفعة ولكنها لا تدخل ضمن نطاق الخطر او الإفلاس . حتى لو ارتفع مجموع الديون إلى ١٧٠ مليار دولار فأن العراق وفق التصنيف العالمي يبقى ضمن ما يسمى ( المنطقة الآمنة ). ولكن يجب علينا تحليل تركيبة الدين أعلاه حيث ان الكتلة الأكبر من مجمل الدين هي الكتلة الداخلية والتي تبلغ حوالي ٦٩ مليار دولار وهي ديون الدولة للمصارف المحلية الحكومية والتي تشكل ٨٠٪ من هذه ال ٦٩ مليار دولار اي انها تعاملات داخلية حكومية ولا توجد فيها فوائد تترتب عليها ، اما ال ٢٠٪ المتبقية فهي عبارة عن سندات حكومية وديون القطاع الخاص تدخل ضمنها الأعمال المنجزة من قبل الشركات والتي لم يستلم اصحابها مبالغها بعد ولا يوجد سبب يدعو لأعتبار ان المدينين سوف يطالبون بتسديد ديونهم حالا او انهم قادرون على اتخاذ اجراءات جزائية ضد الدولة وتحسب الدولة معدلات فائدة سنوية تضاف إلى هذه الديون . المبلغ التالي هو مبلغ الدين الخارجي الذي يبلغ حوالي ٤٠ مليار دولار وهو رقم مجمد غير ملزم السداد طالما بقيت الاموال العراقية التي تأتي من بيع النفط مودعة لدى البنك الفيدرالي الأمريكي وهي في اغلبها ان لم تكن كلها عبارة عن ديون النظام السابق والتي لا تعترف الحكومة الحالية بأغلبها وهي ديون رفض اصحابها التفاوض بشأنها بعد سقوط النظام عبر نادي باريس، معظم هذه الديون ترجع لدول الخليج والتي قامت بتمويل نظام صدام من خلالها اثناء الحرب مع ايران . للتوضيح فأن نادي باريس هو تجمع تم تأسيسه عام ١٩٥٦ يضم الدول والبنوك والمؤسسات الدائنة، وينسق هذا النادي المفاوضات مع الدول المدينة وكيفية التسديد وتوزيع اقساط الديون بين الدائنين ضمن مدى زمني محدد يمكن الدول المدينة من التسديد بشكل منسق ومتوازن لكل الدائنين ويتيح للدول المدينة الاستمرار في عملية الانتاج والتسديد . الدول والمؤسسات التي رفضت الحضور إلى نادي باريس عندما دعى العراق إلى ذلك بعد سقوط النظام السابق بلغ حجم ديونها على العراق ٤٠ مليار دولار جاء اغلبها من ضمانات بنكية تم تقديمها للنظام السابق وكذلك توريدات لأسلحة ومعدات وديون ذات طبيعة خاصة ولكن كل هذه المبالغ تم احالتها من قبل الدائنين إلى محاكم داخل دولها وتم الحصول على قرارات بالحجز على الأملاك العراقية اي حسابات العراق في الخارج في حالة وجودها في بنوك اجنبية . هذه الكتلة من الديون البالغة ٤٠ مليار دولار يستطيع العراق تجميدها إلى ما لا نهاية من الناحية النظرية ويستطيع العراق مثلا حتى في حالة سحب الغطاء الامريكي عنه ان يقوم بعملية مقايضة نفطية مقابل استيراداته او تنفيذ الاعمال داخل العراق رغم انه من المستبعد جدا ان تقوم دول الخليج بفرض اجراءات عقابية ضد العراق في حالة رفضه السداد . هل مشكلة العراق حقا في قضية الديون وحجم هذه الديون ؟التعقيد الأكبر لا يتعلق بحجم الدين العراقي العام ولكنه يتعلق بهيكلية الاقتصاد التي تعتمد بشكل شبه كامل على ايرادات النفط وفي حالة حدوث انخفاض كبير في اسعار النفط فأن الناتج المحلي الاجمالي سوف ينخفض بشدة وهذا سوف يعني ان نسبة الدين إلى هذا الناتج سوف ترتفع بشكل كبير وتنقل العراق إلى المنطقة الحرجة من التصنيف او حتى الخطرة وهذا سوف يؤدي إلى خفض مستوى الأئتمان العراقي لدى المؤسسات الدولية اي سوف يزيد من فاتورة الضمانات البنكية وسوف يشكل رادعا ومعيقا لزيادة حجم الاستثمارات الخارجية داخل العراق . اين يكمن جذر المشكلة ؟المشكلة الحقيقية لا تكمن في حجم الدين بحد ذاته ولا بنسبة هذا الدين إلى الناتج المحلي الاجمالي بل في هشاشة الاقتصاد العراقي وانكشافه كليا امام الاقتصاد العالمي لأن هذا الاقتصاد مرتبط تماما بأسعار النفط وهي اسعار لا يستطيع العراق التحكم بها ، الاقتصاد العراقي هو اقتصاد ريعي تماما يفتقر إلى الانتاج الداخلي . في بلد مثل كوريا الجنوبية او اليابان لا يشكل حجم الدين كارثة لأن هذه البلدان لديها عملية انتاج متواصلة، انها قادرة على انتاج قيم مضافة جديدة كل ساعة وكل يوم . الجانب الاخر المرتبط بهذه المشكلة هي مشكلة البطالة المقنعة ( التعينات العشوائية)، زيادة حجم العمالة في مؤسسات الدولة لا يعتبر مشكلة بحد ذاته بل بالعكس ان عملية زج الكتلة السكانية في عملية التشغيل هو مسعى ايجابي ومطلوب ولكن المشكلة في العراق ان هذا المنحى لا يترافق مع التشغيل الحقيقي لهذه الكتلة وحتى عندما نستمع إلى مطالبة الناس فأنهم لا يطالبون بالعمل بل بال ( تعيين)!! يحصل الشاب على منصب ما ويستلم الراتب ولكن لا يقابل ذلك انتاج ما بسبب تعطل قطاع الدولة الصناعي ومعظم الخدمي عن الانتاج . النتيجة هنا حتمية ولا تحتاج إلى عبقرية اقتصادية لأكتشافها .. زيادة في الانفاق على الرواتب يقابلها انحدار في الانتاج الصناعي يؤدي إلى زيادة في فاتورة الاستيراد لتعويض النقص في الانتاج المحلي يقود إلى زيادة استنزاف موارد النفط المحدودة بأنتاج ٤،٥ مليون برميل يوميا . اللبن والماءنستطيع تخيل حالة تم تجهيز مائدة طعام وعليها ( دولكة) لبن وفي هذه اللحظة يقرع الجرس ويدخل ضيوف على صاحب البيت ، يضطر صاحب البيت الى اخذ اللبن إلى المطبخ واضافة الماء وجعل ( الدولكة الواحدة اثنتان ) عن طريق زيادة الماء والملح، الحكومة تستلم كمية محددة من الدولارات تقوم بتسليمها إلى البنك المركزي وتبادلها معه بالدنانير العراقية التي يقوم بطبعها لكي تغطي كمية الدولارات ، كان البنك المركزي يسلم مقابل كل دولار ١١١٨ دينار وتقوم الحكومة بدفع الرواتب وعندما اصبحت كمية النقد غير كافية قامت الحكومة بتغيير سعر الصرف واخذت تستلم ١٥٠٠ دينار واليوم تستلم ١٣٢٠ دينار ، كمية اللبن بقيت نفسها لم تتغير ، ما جرى عندما تم تخفيض سعر الدينار هو وهم الحصول على كمية اكبر من الدنانير وهي خدعة شرعية ولكنها تنكشف بسرعة في السوق لأن اسعار المواد المستوردة والتي يتم استيرادها بالدولار سوف ترتفع مباشرة لتعادل السعر الجديد وهذا يعني بالضرورة ان الراتب سوف يكفي لشراء مواد وسلع اقل اي ان الحكومة كانت تستطيع تخفيض الرواتب بنفس نسبة زيادة سعر الصرف وكانت النتيجة سوف تكون واحدة . يعتقد البعض ان وجود رواتب مرتفعة هو جزء من الأزمة ورغم شعبوية هذا الرأي إلا انه لا يستند على قاعدة اقتصادية حقيقية . سلم الرواتب العالية ( الراتب + المخصصات ) لا يشمل عددا كبيرا من الموظفين، عدد الوزراء والمدراء والمحافظين والنواب ووكلاء الوزراء وقادة الفرق والسفراء لا يتعدى الخمسة الاف موظف، سلم رواتبهم يتحرك بين ٥ ملايين و ١٢ مليون دينار اي بمعدل وسطي حوالي ٨ مليون دينار اي ما مجموعة ٣٣٠ مليون دولار سنويا اي اقل من ربع الواحد بالمئة من موازنة العراق . المشكلة الحقيقية تكمن في كتلة هائلة من الشباب والرجال تبلغ حوالي ٣،٥ مليون موظف ٩٠٪ منهم لا تمارس اي عمل ويتم حرمان قطاع الانتاج منهم ، الرواتب مع مخصصات الرعاية الاجتماعية مع مخصصات التقاعد تبتلع سنويا حوالي ٨٥ مليار دولار ولا يقابلها اي انتاج صناعي او زراعي، الحل الوحيد الممكن هو ليس تخفيض الرواتب بل اعادة تشغيل مصانع الدولة المعطلة طبعا وزج كتلة العمل الهائلة فيها . خلاصةلا يتهدد العراق حالة افلاس او انهيار في ظل الظروف الحالية في حالة استمرار تدفق النفط وعدم هبوط أسعاره بشكل دراماتيكي . الدين العراقي بمجمله لازال ضمن اطار السيطرة والدولة قادرة على التحكم به . عملية استمرار سياسة التشغيل العشوائي واهمال قضية الاستثمارت الحكومية في القطاعات الانتاجية سوف تقود إلى ازمة حتمية، لا يستطيع اي بلد مهما عظمت موارده الطبيعية ان يستمر في عملية التصدير لهذه الموارد واستهلاك إيراداتها إلى مالانهاية . الاجراء الأكثر جدوى هو ليس خفض الانفاق الحكومي على الرواتب لأن هذا سوف يؤدي إلى هزات اجتماعية عنيفة وانما في تفعيل عجلة الانتاج المحلي وخفض فاتورة الاستيراد . |
