جذور الصراع السوداني وأبعاده الإقليمية: الجيش والمليشيات و صراع السلطة والثروات في السودان

جذور الصراع السوداني وأبعاده الإقليمية: الجيش والمليشيات و صراع السلطة والثروات في السودان
يُعَدّ الصراع السوداني امتدادًا لتاريخٍ من التهميش وصراع الموارد، حيث تتقاطع فيه مصالح إقليمية ودولية حول دارفور الغنية بالذهب. إن تفكيك المليشيات ودمجها في جيشٍ وطنيٍّ موحّد شرطٌ لاستعادة السيادة والاستقرار ومنع تفكك السودان....

المقدمة

يشهد السودان منذ عام 2023 نزاعًا مسلحًا دمويًا بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. هذا النزاع ليس وليد اللحظة بل هو نتيجة تراكمات تاريخية تمتد من الحقبة الاستعمارية إلى مرحلة ما بعد سقوط نظام البشير. تتداخل في خلفيته عوامل الهوية والثروات والسلطة فضلًا عن تدخلات إقليمية ودولية جعلت من دارفور  الغنية بالموارد والموقع الجيوسياسي الحيوي  محور الصراع الأكثر تعقيدًا في القارة الإفريقية اليوم.

أولاً: الخلفية التاريخية والسياسية

دارفور

كانت سلطنة دارفور الإسلامية دولة مستقلة حتى عام 1916 حين ضمها البريطانيون إلى السودان ضمن سياسة “التجميع الاستعماري”. احتفظ الإقليم بطابعه القبلي والديني المميز وبدرجة عالية من الاستقلال الذاتي حتى بعد الاستقلال عام 1956.

ومع استمرار الإهمال التنموي والسياسي تحولت دارفور من منطقة هامشية إلى مركز للمطالب والتمردات ثم إلى بؤرة صراع على الثروة والسلطة والسلاح خصوصًا بعد اكتشاف الثروات المعدنية الهائلة في الإقليم.

ميليشيات الدعم السريع

تأسست قوات الدعم السريع رسميًا عام 2013 من بقايا ميليشيات الجنجويد التي نشطت في دارفور مطلع الألفية. أراد نظام البشير المخلوع إنشاء قوة مرنة سريعة الحركة تعمل تحت مظلة الأمن والمخابرات لكنها تبقى خارج السيطرة الكاملة للجيش.

مع مرور الوقت تحولت هذه القوة إلى مليشيات  قوية كيان سياسي واقتصادي موازٍ يدير شبكات تعدين وتهريب ويحظى بدعم خارجي مكّنها من التغلغل في البنية الأمنية السودانية.

العلاقة بين الجيش والدعم السريع (2019–2023)

بعد سقوط نظام عمر البشير دخل السودان مرحلة انتقالية معقدة. في البداية شكّل الجيش وقوات الدعم السريع تحالفًا هشًا تحت مظلة المجلس العسكري الانتقالي إلا أن التباينات الهيكلية والسياسية سرعان ما ظهرت.

برز الخلاف الأساسي حول دمج مليشيات الدعم السريع في الجيش الوطني وهو شرط أساسي ضمن الاتفاق الإطاري مع القوى المدنية. رفض قائد الدعم السريع الدمج الفوري متمسكًا بفترة انتقالية طويلة للحفاظ على استقلاله العسكري والاقتصادي.

تفاقمت الأزمة في أبريل 2023 عندما اندلع القتال المباشر في الخرطوم وعدد من المدن بين الطرفين متحولًا إلى صراع شامل على السلطة والنفوذ مدعومًا بتداخل مصالح إقليمية ودولية.

ثانياً: الثروات الطبيعية كمحرك خفي للصراع

• الذهب: يُعد المورد الأهم في دارفور. منطقة جبل عامر وحدها تحتوي على أكثر من 3,000 طن من الذهب وكانت تُنتج نحو 150 كغ يوميًا قبل سيطرة قوات الدعم السريع. معظم الكميات تهرب نحو الإمارات ما وفّر تمويلًا ضخمًا لقوات الدعم السريع.

• النحاس والمعادن النادرة: احتياطيات تقدّر بأكثر من 5 مليارات طن تشمل معادن استراتيجية مثل الكوبالت والتيتانيوم واليورانيوم مع اهتمام غربي قديم بهذه المنطقة.

• اليورانيوم والمياه الجوفية: دارفور تقع فوق الحوض النوبي الجوفي أحد أكبر خزانات المياه الجوفية في العالم ما يضيف بُعدًا استراتيجيًا للصراع يتجاوز حدود السودان.

ثالثاً: دارفور كعقدة جيوسياسية إقليمية

يتقاطع إقليم دارفور جغرافيًا مع خمس دول: السودان، تشاد، ليبيا، النيجر، وأفريقيا الوسطى.

من يسيطر على دارفور يملك القدرة على التأثير في:

• طرق التهريب وتجارة الذهب.

• حركة الجماعات المسلحة.

• شبكات الهجرة غير الشرعية.

وبذلك أصبح الصراع في دارفور جزءًا من إدارة النفوذ الإقليمي والدولي في منطقة الساحل والبحر الأحمر.

رابعاً: الأطراف الخارجية ومصالحها في الصراع

الإمارات العربية المتحدة: الحصول على الذهب السوداني وتأمين طرق التجارة عبر تشاد وليبيا وتمويل شركات وشبكات شراء الذهب ودعم غير مباشر لقوات الدعم السريع.

إسرائيل: مراقبة النفوذ الإيراني في الجيش السوداني وضمان حرية الحركة في البحر الأحمر مع اتصالات استخباراتية مع قيادات في الخرطوم ودارفور.

إيران: دعم الجيش السوداني كحركة مناهضة للنفوذ الخليجي مع إمدادات تقنية وتعاون عسكري محدود.

مصر: منع الفوضى قرب حدودها الجنوبية والحفاظ على استقرار النيل، مع دعم سياسي ولوجستي للجيش النظامي.

روسيا (فاغنر): تأمين مصالح روسيا من الذهب واليورانيوم والتوسع في إفريقيا الوسطى مع وجود عسكري ميداني واستخباراتي في مناطق التعدين.

فرنسا: حماية مصالحها في الساحل الغربي والنيجر ومراقبة استخباراتية عبر تشاد ودعم غير مباشر لحلفائها المحليين.

خامساً: الأبعاد الاقتصادية والسياسية الخفية

تمويل الحرب من الذهب: قوات الدعم السريع حولت مناجم الذهب إلى خزائن تمويل ذاتية ما منحها استقلالية عن الدولة وخلق اقتصادًا موازياً خارج سلطة البنك المركزي.

التنافس على السيادة: الجيش يرى أن فقدان السيطرة على دارفور يعني تفكيك الدولة وفقدان اكبر شريان اقتصادي للدولة بينما تعتبر قوات الدعم السريع أن السيطرة على الثروات حق مستحق.

مشروع التفتيت الإقليمي: اقتراحات غربية منذ التسعينيات طرحت فكرة تقسيم السودان إلى وحدات وكيانات بينها دارفور ككيان مستقل مما يفسر استمرار تغذية النزاع.

سادساً: التأثيرات الإقليمية للصراع

على مصر: خطر مباشر على أمنها الجنوبي مع احتمال تدفقات بشرية هائلة وتهديد لممرات نهر النيل.

على ليبيا وتشاد: بوابة لتهريب السلاح والمقاتلين ما ينعكس على استقرار البلدين.

على المنطقة ككل: نموذج للحروب المعقدة حيث تتداخل الموارد مع الهويات والسياسات ما يشكل تهديدًا للاستقرار في القرن الإفريقي ومنطقة الساحل.

سابعاً: خطر ميليشيات الدعم السريع على السودان

تمثل قوات الدعم السريع أحد أكبر التحديات أمام بناء الدولة السودانية الحديثة.قوة موازية للجيش بتمويل ذاتي وخارجي من تجارة الذهب والموارد الطبيعية.

ولاء شخصي لقائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) ما يجعلها أكثر ميلاً لاستخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية واقتصادية خارج سلطة الدولة.

تدمير البنية التحتية وانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان ما أضعف ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.

ارتباط بعلاقات مالية وتسليحية مع أطراف إقليمية ما يجعلها أداة لتصفية الصراعات بالوكالة.

ثامناً: السيناريوهات المحتملة لمستقبل قوات الدعم السريع

الدمج التدريجي في الجيش الوطني: الخيار الأمثل لإنهاء ازدواج القوة عبر إعادة هيكلة تدريجية ونزع سلاح المجموعات غير المنضبطة.

التحول إلى كيان سياسي مدني  مستقل: تثبيت السيطرة على دارفور وتحويلها إلى قاعدة نفوذ ما يحمل خطر تقسيم السودان فعليًا.

الحسم العسكري الكامل من قبل الجيش: خيار محتمل في حال استمرار الدعم الخارجي ورفض أي تسوية رغم الكلفة الإنسانية والمادية الباهظة.

الاستنتاج

يتضح أن الصراع السوداني محكوم بمعادلة الدولة والمليشيا و الثروة والسلطة و المركز والهامش.

• دارفور ليست مجرد إقليم مضطرب بل عقدة استراتيجية تحدد مصير السودان ومستقبله.

• أي تسوية سياسية لا تتناول توزيع الموارد وإعادة دمج القوات المسلحة ستبقى هدنة مؤقتة ولن تنهي الحرب.

• نجاح السودان في استعادة وحدته واستقلال قراره الوطني يعتمد على تفكيك المليشيات و اعادة دمجها في المجتمع المدني  وإدارة عادلة للثروات ضمن توازن داخلي وإقليمي يحدده الواقع السياسي والمصالح الدولية.

الخاتمة

تُظهر التجربة السودانية بوضوح أن استمرار وجود المليشيات المسلحة خارج إطار الدولة يمثل تهديدًا وجوديًا للأمن الوطني والاستقرار السياسي. فهذه القوى الموازية مثل قوات الدعم السريع والتي كانت جزء من منظومة أمن الدولة تملك ولاءات شخصية وتمويلاً مستقلاً ما يجعلها أكثر ميلًا لاستخدام القوة لتحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن سلطة الدولة والقانون.

في المقابل يمثل الجيش الوطني الموحد العمود الفقري لاستعادة النظام والحفاظ على سيادة الدولة. فتعزيز قدراته المهنية وضبط سلاحه تحت سلطة الدولة وإعادة دمج المليشيات ضمن هياكل مؤسساتية قانونية هو السبيل الأمثل لمنع تفكك الدولة وإعادة الأمن والاستقرار إلى المدن والأقاليم خصوصًا المناطق الغنية بالموارد مثل دارفور.

إن تفكيك المليشيات وتقوية الجيش واستعادة النظام ليس خيارًا سياسيًا فحسب بل ضرورة استراتيجية وطنية لضمان وحدة السودان حماية موارده وإعادة الثقة في الدولة ومؤسساتها أمام المواطنين والمجتمع الدولي.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *