أموال تكفي لبناء العراق مرتين ونصف… فأين ذهبت التنمية؟

أموال تكفي لبناء العراق مرتين ونصف... فأين ذهبت التنمية؟
تُظهر الحالة العراقية أن الدَّين العام تحوّل من أداة تمويل إلى عبء يُقيد التنمية، بسبب ضعف الرقابة، والإنفاق الجاري، والاعتماد على النفط. الحلّ في إدارة رشيدة تربط الاقتراض بعوائد إنتاجية، وتنويع الاقتصاد لضمان نموٍّ مستدامٍ وعدالة مالية....

مقدّمة

يلعب الدين العام دوراً مزدوجاً في اقتصادات الدول من جهة يمكن أن يكون أداة تمويل ضرورية للاستثمار التنموي والبُنى التحتية  ، ومن جهة أخرى إذا تجاوز حجمُه قدرة الدولة على الخدمة والردّ ، فإنه يتحول إلى عبء يُعيق التنمية ، ويُدخل الدولة في ما يُعرف بـ «فخّ الدين العام» يسبّب هذا الفخّ (تراجع الإنفاق الإنتاجي ، وارتفاع تكلفة الاقتراض ، وضعف الثقة ، وتأخّر التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة).

آليات ارتباط الدين العام بتراجع التنمية:

  يمكن اختصار المراحل أو القنوات التي تربط الدين العام بضعف التنمية فيما يلي:

1.- ارتفاع تكاليف خدمة الدين: عندما يكبر حجم الدين العام أو عندما تزداد الفوائد ، فإن الدولة تُوجّه شريحة كبيرة من إيراداتها إلى سداد فوائد وأصول الدين ، ما يقلّل ما يتبقى للإنفاق الإنتاجي (بُنى تحتية، تعليم، صحة) أو للاستثمار في تنويع الاقتصاد. يُشير تقرير (UNCTAD) إلى أن الدول النامية تضخمت لديها خدمة الدين بشكل سريع ، الأمر الذي يُثبّط التنمية  (UNCTAD).

2.- تقويض الاستثمار العام والخاص:  عندما يستهلك الدين موارد الدولة ، أو عندما يُنظر إلى الدولة بأنها معرضة لمخاطر أعلى ، ترتفع أسعار اقتراضها ، وتصبح الأوضاع أقل جذباً للاستثمارات ، كذلك القلق المالي يُضعف التخطيط بعيد الأجل .

3.- خنق الابتكار والتنويع الاقتصادي:  في الدول التي تعتمد على الدين لتمويل الإنفاق الاستهلاكي أو غير المنتج بدلاً من الاستثمار الرأسمالي ، فإن العوائد التنموية تكون ضعيفة ، مما يضعف القدرة على النمو الذاتي .

4.- دوامة الدين (Debt-Trap) أو حلقة الرجعية : الدين العام المرتفع ← ضعف النمو ← ارتفاع العجز ← مزيد من الدين ← ضعف النمو…الخ) .

5.- انعدام المساءلة والسياسات غير الفعالة: يُفاقم ضعف المؤسسات الرقابية والمساءلة (برلمانات غير فعالة ، رقابة مالية ضعيفة) من سوء إدارة الدين ، ويُقلّل من شفافية الإنفاق مما يعوق التنمية.

بعبارةٍ مختصرة  الدين العام لا يُشكّل بحد ذاته مشكلة ما لم تُستخدم فوائده في تمكين النمو والتطوير ، وإذا ما حصل العكس – أي تمّ توظيفه في نفقات جارية أو غير منتجة ، أو شُرِطت عليه فوائد مرتفعة ، أو ساءت الشفافية – فإنه يصبح عبئاً يُعيق التنمية.

الحالة العراقية : لماذا سقطنا في فخّ الدين العام؟

الأرقام المحورية

بحسب أحدث بيانات البنك المركزي العراقي ، فإن الدين الخارجي المستحقّ إلى جانب الديون القديمة التي لا تزال تُناقش يجعل الدين العام يشكّل نسبة وصلت إلى نحو (43%) من الناتج المحلي الإجمالي   .

الدين الداخلي عند نهاية يونيو 2025 بلغ نحو (87.748 تريليون دينار عراقي) ما يُعادل تقريباً 61.5 مليار دولار ) .و الدين الخارجي في نهاية 2024 قُدّر بنحو (54.601  مليار دولار) .

و في موازنة 2024 خُطّت المصروفات عند نحو (210.936 تريليون دينار) (≈162 مليار دولار)  والإيرادات عند نحو (144.336 تريليون دينار) (≈111 مليار دولار) ما يعني عجزاً مخطّطاً .

أسباب وقوع العراق في فخّ الدين:

أ.- ضعف الرقابة البرلمانية والمتابعة

كما أشرت ، فإن عدم تواجد أعضاء مجلس النواب تحت قبة البرلمان وعدم تنفيذهم لمهامهم الرقابية – متابعة أداء الحكومة والموازنة والإنفاق – أسهم في ضعف مساءلة الإنفاق الحكومي ، وبالتالي في تضرر كفاءة استثمار الموارد .

عندما لا يكون هناك ضغط برلماني فعّال على الحكومة للالتزام بالخطة الإنمائية ، فإن الإنفاق قد يتحوّل نحو نفقات جارية أو مشاريع ذات مردود ضعيف ، ما يقلّل من جدوى الدين.

أ.- الاعتماد الزائد على النفط ونقص التنويع

العراق يعتمد بشكل رئيسي على إيرادات النفط ، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار هذا الاعتماد يضعف قدرة الدولة على التخطيط طويل الأجل ويُقلّل من الموارد غير النفطية.

ب.- الاستخدام غير الكافي للديون في إنفاق إنتاجي فعال

على الرغم من أن بعض البيانات تشير إلى أن الاستثمارات قد ارتفعت (مثلاً: نحو 88 تريليون دينار / ≈67.2 مليار دولار للاستثمارات في عام 2025) إلا أن التركيز غالباً على مشاريع الطرق والمجسرات فقط ، دون تنويع حقيقي أو تأكيد لنمو اقتصادي طويل الأجل.

ج.- النفقات الجارية المرتفعة

جزء كبير من الإنفاق يذهب إلى الرواتب والقطاع العام والنفقات التشغيلية ، مما يضع ضغطاً على الموارد ويُقلّل مما يُمكن أن يُوجَّه للاستثمار والتنمية مثلاً، في أول خمسة أشهر من 2025 ، كانت نسبة الإنفاق الاستثماري ما يقارب( 6.4 % فقط من إجمالي الإنفاق) .

د.- غياب متابعة فعّالة ومساءلة حقيقية

ضعف التشريع القانوني في ضبط الدين والانفاق ، وعدم وجود آلية واضحة لمتابعة تنفيذ المشاريع ، جعل الدولة أقلّ قدرة على تحويل التمويل إلى نتائج تنموية .

هـ.- فخّ الدين: بلغت العراق مرحلة إذ يُستخدم جزء من الاقتراض لسد عجز البودجت أو لتحويلات التشغيل ، لا للاستثمار الإنتاجي هذا ما يُعدّ مدخلاً إلى فخّ الدين : الاقتراض ← نفقات تشغيلية أو غير منتجة ← قلة النمو ← المزيد من الاقتراض .

العواقب على التنمية:

1. تأخّر في بناء قاعدة اقتصادية مستدامة خارج قطاع النفط ، ما يضع العراق في مسار هشّ للتنمية .

2.ضعف الاستثمار العام في القطاعات الإنتاجية (صناعة ، تنمية بشرية ، تكنولوجيا) مقارنة بالحاجة ، ما يقلّل من فرص النمو المستدام .

3. ارتفاع القابلية للصدمة الخارجية (انخفاض أسعار النفط ، أزمات مالية) بسبب ضعف التنويع المالي والاقتصادي .

4.منطق «السداد العاجل للدين» قد يُضعف القدرة على تبنّي استراتيجيات تنموية أطول أمداً ، ويُضعف الشفافية في الإنفاق .

حلول مقترَحة لإعادة مسار التنمية المستدامة:

استناداً إلى ما سبق ، يمكن اقتراح مجموعة من السياسات والإجراءات التي يمكن للعراق (وأمثاله من الدول) اعتمادها لاستقلاليته التنموية وتقليل مخاطر الدين العام :

أولاً : تعزيز المساءلة البرلمانية ومتابعة الإنفاق:

انعقاد مجلس النواب بانتظام تحت القبة ، مع تشكيل لجان خاصة لمتابعة تنفيذ الميزانية ، وتنفيذ قانون «الانضباط المالي» أو ما يماثله .

وإلزام الحكومة بتقديم تقارير ربع سنوية مفصلة عن المشاريع الاستثمارية ، الإنفاق ، حصيلة النتائج التنموية ، وربط الموافقة البرلمانية بمتابعة التنفيذ.

و تفعيل دور الرقابة المالية والمحاسبة : تدقيق مؤسّساتي ومحلي ، وإتاحة المعلومات للجمهور .

ثانياً : إصلاح هيكلية الإنفاق العام:

يتم من خلال تحويل جزء أكبر من الإنفاق إلى الاستثمار الإنتاجي (البُنى التحتية التي تدرّ عوائد ، التعليم ، الصحة، الصناعة) .وتخفيض النفقات التشغيلية غير الضرورية ، وإعادة ترتيب أولويات الميزانية نحو تنمية الموارد البشرية والبُنى الإنتاجية .ووضع حدّ نسبي للنمو السنوي للنفقات التشغيلية وربطها بالنمو الاقتصادي أو الإيرادات غير النفطية .

ثالثاً: تنويع الاقتصاد وزيادة الإيرادات غير النفطية:

1.تسريع الإصلاحات الضريبية : توسيع القاعدة الضريبية ، مكافحة التهرب ، تبسيط الإجراءات الضريبية وتشجيع الاقتصاد الرسمي .

2. تشجيع القطاع الخاص ، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي في قطاعات غير مرتكزة على النفط (مثل التصنيع ، الزراعة ، السياحة ، تكنولوجيا المعلومات) .

3. استخدام جزء من القروض أو التمويلات في مشاريع ذات عوائد واضحة (مثلاً صناعات تحويلية ، طاقة متجددة ، تحلية مياه…..الخ) .

رابعاً : إدارة الدين العام بحكمة:

تتم ادارة الدين العام بوضع استراتيجية واضحة لإدارة الدين ، تشمل تحديد سقوف لنسب الدين إلى الناتج المحلي ، وضبط أوضاع استحقاقاته ، وتحويل جزء من الدين إلى أدوات استثمارية أو صناديق سيادية ، كما أشار البنك المركزي العراقي .وتجنّب الاقتراض لتمويل نفقات تشغيلية ، والتمييز بين الديون للاستثمار والإنتاج وبين التمويل لسد العجز .والشفافية الكاملة في علاقات الاقتراض : الكشف عن شروط القرض ، الجدول الزمني للسداد ، تكلفة الفائدة ، وربطه بتقييم مسبق للعائد .

خامساً : مأسسة التخطيط طويل الأجل والمشاريع الإنتاجية:

إعداد خطة وطنية تنموية (5 إلى 10 سنوات) تربط بين الاستثمارات والأهداف التنموية (النمو – الناتج – الوظائف – التنويع) والتركيز على المشاريع التي تُدرُّ عوائد مستقرة وتُساهم في نمو الناتج المحلي ، وليس فقط كثافات “مظاهر عمرانية” مثل المجسّرات .وتقييم فعالية المشاريع باستمرار : ما المشاريع التي تحقّق عائداً اقتصادياً؟ وماذا يمكن تحسينه؟

سادساً: تعزيز الاقتصاد مقاوم الصدمات:

عبر بناء احتياطات نقدية كافية ، وتنويع الموارد ، وتقوية اقتصاد البلد أمام تقلبات أسعار النفط أو الصدمات الخارجية وتطوير البُنى التحتية الحاضنة للقطاع الخاص ، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال .واستخدام الشراكات الدولية بشكل ذكي ، مع شروط شفّافة ، وتوظيف القروض الأجنبية في مشروعات إنتاجية وليس فقط تمويل مباشر للإنفاق الجاري.

الخاتمة

في العراق : تراكم الديون الداخلية والخارجية ، وغياب الدور الرقابي الكامل لمجلس النواب ، ساهم في دخول الدولة “فخّ الدين العام” الذي يُقيّد إمكانات النمو والتنمية المستدامة .

إن الخلاصة أنّ الطريق نحو التنمية المستدامة لا يمرّ فقط بزيادة الاستثمار أو الحصول على قروض ، بل بترشيد الإنفاق ، وتنمية الموارد الذاتية ، وتنويع الاقتصاد ، وضبط منظومة المساءلة والمتابعة ، فإذا نجحت الدولة في ربط دينها العام بعائد تنموي حقيقي ، فإنها تتجاوز مرحلة عبء الدين إلى مرحلة “رافعة تنموية” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *