مقدّمةيلعب الدين العام دوراً مزدوجاً في اقتصادات الدول من جهة يمكن أن يكون أداة تمويل ضرورية للاستثمار التنموي والبُنى التحتية ، ومن جهة أخرى إذا تجاوز حجمُه قدرة الدولة على الخدمة والردّ ، فإنه يتحول إلى عبء يُعيق التنمية ، ويُدخل الدولة في ما يُعرف بـ «فخّ الدين العام» يسبّب هذا الفخّ (تراجع الإنفاق الإنتاجي ، وارتفاع تكلفة الاقتراض ، وضعف الثقة ، وتأخّر التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة). آليات ارتباط الدين العام بتراجع التنمية:يمكن اختصار المراحل أو القنوات التي تربط الدين العام بضعف التنمية فيما يلي:1.- ارتفاع تكاليف خدمة الدين: عندما يكبر حجم الدين العام أو عندما تزداد الفوائد ، فإن الدولة تُوجّه شريحة كبيرة من إيراداتها إلى سداد فوائد وأصول الدين ، ما يقلّل ما يتبقى للإنفاق الإنتاجي (بُنى تحتية، تعليم، صحة) أو للاستثمار في تنويع الاقتصاد. يُشير تقرير (UNCTAD) إلى أن الدول النامية تضخمت لديها خدمة الدين بشكل سريع ، الأمر الذي يُثبّط التنمية (UNCTAD). 2.- تقويض الاستثمار العام والخاص: عندما يستهلك الدين موارد الدولة ، أو عندما يُنظر إلى الدولة بأنها معرضة لمخاطر أعلى ، ترتفع أسعار اقتراضها ، وتصبح الأوضاع أقل جذباً للاستثمارات ، كذلك القلق المالي يُضعف التخطيط بعيد الأجل . 3.- خنق الابتكار والتنويع الاقتصادي: في الدول التي تعتمد على الدين لتمويل الإنفاق الاستهلاكي أو غير المنتج بدلاً من الاستثمار الرأسمالي ، فإن العوائد التنموية تكون ضعيفة ، مما يضعف القدرة على النمو الذاتي . 4.- دوامة الدين (Debt-Trap) أو حلقة الرجعية : الدين العام المرتفع ← ضعف النمو ← ارتفاع العجز ← مزيد من الدين ← ضعف النمو…الخ) . 5.- انعدام المساءلة والسياسات غير الفعالة: يُفاقم ضعف المؤسسات الرقابية والمساءلة (برلمانات غير فعالة ، رقابة مالية ضعيفة) من سوء إدارة الدين ، ويُقلّل من شفافية الإنفاق مما يعوق التنمية. بعبارةٍ مختصرة الدين العام لا يُشكّل بحد ذاته مشكلة ما لم تُستخدم فوائده في تمكين النمو والتطوير ، وإذا ما حصل العكس – أي تمّ توظيفه في نفقات جارية أو غير منتجة ، أو شُرِطت عليه فوائد مرتفعة ، أو ساءت الشفافية – فإنه يصبح عبئاً يُعيق التنمية. الحالة العراقية : لماذا سقطنا في فخّ الدين العام؟ الأرقام المحوريةبحسب أحدث بيانات البنك المركزي العراقي ، فإن الدين الخارجي المستحقّ إلى جانب الديون القديمة التي لا تزال تُناقش يجعل الدين العام يشكّل نسبة وصلت إلى نحو (43%) من الناتج المحلي الإجمالي . الدين الداخلي عند نهاية يونيو 2025 بلغ نحو (87.748 تريليون دينار عراقي) ما يُعادل تقريباً 61.5 مليار دولار ) .و الدين الخارجي في نهاية 2024 قُدّر بنحو (54.601 مليار دولار) . و في موازنة 2024 خُطّت المصروفات عند نحو (210.936 تريليون دينار) (≈162 مليار دولار) والإيرادات عند نحو (144.336 تريليون دينار) (≈111 مليار دولار) ما يعني عجزاً مخطّطاً . أسباب وقوع العراق في فخّ الدين:أ.- ضعف الرقابة البرلمانية والمتابعةكما أشرت ، فإن عدم تواجد أعضاء مجلس النواب تحت قبة البرلمان وعدم تنفيذهم لمهامهم الرقابية – متابعة أداء الحكومة والموازنة والإنفاق – أسهم في ضعف مساءلة الإنفاق الحكومي ، وبالتالي في تضرر كفاءة استثمار الموارد . عندما لا يكون هناك ضغط برلماني فعّال على الحكومة للالتزام بالخطة الإنمائية ، فإن الإنفاق قد يتحوّل نحو نفقات جارية أو مشاريع ذات مردود ضعيف ، ما يقلّل من جدوى الدين. أ.- الاعتماد الزائد على النفط ونقص التنويعالعراق يعتمد بشكل رئيسي على إيرادات النفط ، مما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار هذا الاعتماد يضعف قدرة الدولة على التخطيط طويل الأجل ويُقلّل من الموارد غير النفطية. ب.- الاستخدام غير الكافي للديون في إنفاق إنتاجي فعالعلى الرغم من أن بعض البيانات تشير إلى أن الاستثمارات قد ارتفعت (مثلاً: نحو 88 تريليون دينار / ≈67.2 مليار دولار للاستثمارات في عام 2025) إلا أن التركيز غالباً على مشاريع الطرق والمجسرات فقط ، دون تنويع حقيقي أو تأكيد لنمو اقتصادي طويل الأجل. ج.- النفقات الجارية المرتفعةجزء كبير من الإنفاق يذهب إلى الرواتب والقطاع العام والنفقات التشغيلية ، مما يضع ضغطاً على الموارد ويُقلّل مما يُمكن أن يُوجَّه للاستثمار والتنمية مثلاً، في أول خمسة أشهر من 2025 ، كانت نسبة الإنفاق الاستثماري ما يقارب( 6.4 % فقط من إجمالي الإنفاق) . د.- غياب متابعة فعّالة ومساءلة حقيقيةضعف التشريع القانوني في ضبط الدين والانفاق ، وعدم وجود آلية واضحة لمتابعة تنفيذ المشاريع ، جعل الدولة أقلّ قدرة على تحويل التمويل إلى نتائج تنموية . هـ.- فخّ الدين: بلغت العراق مرحلة إذ يُستخدم جزء من الاقتراض لسد عجز البودجت أو لتحويلات التشغيل ، لا للاستثمار الإنتاجي هذا ما يُعدّ مدخلاً إلى فخّ الدين : الاقتراض ← نفقات تشغيلية أو غير منتجة ← قلة النمو ← المزيد من الاقتراض . العواقب على التنمية:1. تأخّر في بناء قاعدة اقتصادية مستدامة خارج قطاع النفط ، ما يضع العراق في مسار هشّ للتنمية . 2.ضعف الاستثمار العام في القطاعات الإنتاجية (صناعة ، تنمية بشرية ، تكنولوجيا) مقارنة بالحاجة ، ما يقلّل من فرص النمو المستدام . 3. ارتفاع القابلية للصدمة الخارجية (انخفاض أسعار النفط ، أزمات مالية) بسبب ضعف التنويع المالي والاقتصادي . 4.منطق «السداد العاجل للدين» قد يُضعف القدرة على تبنّي استراتيجيات تنموية أطول أمداً ، ويُضعف الشفافية في الإنفاق . حلول مقترَحة لإعادة مسار التنمية المستدامة:استناداً إلى ما سبق ، يمكن اقتراح مجموعة من السياسات والإجراءات التي يمكن للعراق (وأمثاله من الدول) اعتمادها لاستقلاليته التنموية وتقليل مخاطر الدين العام : أولاً : تعزيز المساءلة البرلمانية ومتابعة الإنفاق:انعقاد مجلس النواب بانتظام تحت القبة ، مع تشكيل لجان خاصة لمتابعة تنفيذ الميزانية ، وتنفيذ قانون «الانضباط المالي» أو ما يماثله . وإلزام الحكومة بتقديم تقارير ربع سنوية مفصلة عن المشاريع الاستثمارية ، الإنفاق ، حصيلة النتائج التنموية ، وربط الموافقة البرلمانية بمتابعة التنفيذ. و تفعيل دور الرقابة المالية والمحاسبة : تدقيق مؤسّساتي ومحلي ، وإتاحة المعلومات للجمهور . ثانياً : إصلاح هيكلية الإنفاق العام:يتم من خلال تحويل جزء أكبر من الإنفاق إلى الاستثمار الإنتاجي (البُنى التحتية التي تدرّ عوائد ، التعليم ، الصحة، الصناعة) .وتخفيض النفقات التشغيلية غير الضرورية ، وإعادة ترتيب أولويات الميزانية نحو تنمية الموارد البشرية والبُنى الإنتاجية .ووضع حدّ نسبي للنمو السنوي للنفقات التشغيلية وربطها بالنمو الاقتصادي أو الإيرادات غير النفطية . ثالثاً: تنويع الاقتصاد وزيادة الإيرادات غير النفطية:1.تسريع الإصلاحات الضريبية : توسيع القاعدة الضريبية ، مكافحة التهرب ، تبسيط الإجراءات الضريبية وتشجيع الاقتصاد الرسمي . 2. تشجيع القطاع الخاص ، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي في قطاعات غير مرتكزة على النفط (مثل التصنيع ، الزراعة ، السياحة ، تكنولوجيا المعلومات) . 3. استخدام جزء من القروض أو التمويلات في مشاريع ذات عوائد واضحة (مثلاً صناعات تحويلية ، طاقة متجددة ، تحلية مياه…..الخ) . رابعاً : إدارة الدين العام بحكمة:تتم ادارة الدين العام بوضع استراتيجية واضحة لإدارة الدين ، تشمل تحديد سقوف لنسب الدين إلى الناتج المحلي ، وضبط أوضاع استحقاقاته ، وتحويل جزء من الدين إلى أدوات استثمارية أو صناديق سيادية ، كما أشار البنك المركزي العراقي .وتجنّب الاقتراض لتمويل نفقات تشغيلية ، والتمييز بين الديون للاستثمار والإنتاج وبين التمويل لسد العجز .والشفافية الكاملة في علاقات الاقتراض : الكشف عن شروط القرض ، الجدول الزمني للسداد ، تكلفة الفائدة ، وربطه بتقييم مسبق للعائد . خامساً : مأسسة التخطيط طويل الأجل والمشاريع الإنتاجية:إعداد خطة وطنية تنموية (5 إلى 10 سنوات) تربط بين الاستثمارات والأهداف التنموية (النمو – الناتج – الوظائف – التنويع) والتركيز على المشاريع التي تُدرُّ عوائد مستقرة وتُساهم في نمو الناتج المحلي ، وليس فقط كثافات “مظاهر عمرانية” مثل المجسّرات .وتقييم فعالية المشاريع باستمرار : ما المشاريع التي تحقّق عائداً اقتصادياً؟ وماذا يمكن تحسينه؟ سادساً: تعزيز الاقتصاد مقاوم الصدمات:عبر بناء احتياطات نقدية كافية ، وتنويع الموارد ، وتقوية اقتصاد البلد أمام تقلبات أسعار النفط أو الصدمات الخارجية وتطوير البُنى التحتية الحاضنة للقطاع الخاص ، وتعزيز الابتكار وريادة الأعمال .واستخدام الشراكات الدولية بشكل ذكي ، مع شروط شفّافة ، وتوظيف القروض الأجنبية في مشروعات إنتاجية وليس فقط تمويل مباشر للإنفاق الجاري. الخاتمةفي العراق : تراكم الديون الداخلية والخارجية ، وغياب الدور الرقابي الكامل لمجلس النواب ، ساهم في دخول الدولة “فخّ الدين العام” الذي يُقيّد إمكانات النمو والتنمية المستدامة . إن الخلاصة أنّ الطريق نحو التنمية المستدامة لا يمرّ فقط بزيادة الاستثمار أو الحصول على قروض ، بل بترشيد الإنفاق ، وتنمية الموارد الذاتية ، وتنويع الاقتصاد ، وضبط منظومة المساءلة والمتابعة ، فإذا نجحت الدولة في ربط دينها العام بعائد تنموي حقيقي ، فإنها تتجاوز مرحلة عبء الدين إلى مرحلة “رافعة تنموية” . |


