| على ضفاف نهر دجلة كانت الأعظمية تتنفس من نهر دجلة الحياة . لم يكن النهر مجرد مجرى ماء كان رئة الحي وسر بساتينه ومنه ارتوى الناس.
وبفضله اخضرت الأرض وتشكلت الحياة. كان الماء عمود الحياة وكانت الآبار تنتشر في الأحواش والبيوت والساحات يقترب منها الصغار والكبار بالدلاء والحبال يتبادلونها كما يتبادلون أنفاسهم. وفي الأزقة الضيقة يتردد صدى أصوات السقائين. رجال يحملون القرب المصنوعة من جلد الماعز على ظهورهم يطرقون الأبواب وينادون على أهل الحي. لم تكن السقاية مجرد مهنة صورة كرم وأمان إذ يحمل السقاء جرعة الحياة إلى البيوت المتعطشة. وحين يمر أحدهم كان الأطفال يلتفون حوله بعيون لامعة كأنهم يرون ماء النهر يسير على قدميه. لم تخلُ الطرقات في الاعظمية من سُبل الماء التي أقامها أهل الخير محطات صغيرة تقدم للمارين شربة باردة تروي العابر وتمنح قلبه لحظة رحمة. ولمن أراد أن يصبح سقّاءً كان لا بد أن يثبت نفسه في امتحان قاسٍ يحمل قربة وكيساً من الرمل يزن سبعة وستين رطلاً لثلاثة أيام بلياليها دون أن يستند أو ينام كأنما أرادوا أن يكون السقاء شجرة صبر تمشي على الأرض. كانت السبل تقف أمام المساجد الاعظمية وفي نواصي الطرق تمنح العابرين وقفة حياة فيما كانت البساتين تُروى بسواقي دجلة وقنواتها التي حفرتها أيدي الرجال وتصبغها قطرات عرقهم. ومع دخول القرن العشرين تغير المشهد سنة 1907 نُصبت أول مضخة قرب شريعة الميدان وبعدها بأمر الملك فيصل الأول سنة 1924 افتتحت أول محطة رسمية للإسالة. وفي عام 1907 ايام الوالي (حازم بك) انشئت ماكنة اسالة الماء في بغداد بمضخة نصبت على شريعة الميدان وتم ايصال الماء بالانابيب ومن اوائل الذين عملوا بهذا المشروع الاسطة فتاح الأعظمي رحمه الله بيصال الماء للدور بأجرة شهرية مقدارها عشرة قروش لكل دار وبذلك ارتاح اهالي الاعظمية من عناء الارواء عن طريق السقائين. من هناك بدأ الزمن يتحول من أصوات السقائين في الأزقة إلى خرير الماء في الأنابيب. لكن مع ذلك بقيت نداءاتهم عالقة في ذاكرة الحي وبقيت صورهم تمشي بين الدروب وإن غابوا. ومن الشواهد الباقية سقاية هيبت خاتون التي أُنشئت عام 1916 قرب مدرسة النصة وثُبت وقفها بورقة وقفية سنة 1918 لتظل حاضرةً تُذكر بأن الماء لم يكن مورداً فحسب كان رسالة إنسانية تتوارثها الأجيال. واجب علينا أن نذكر السيد مصطفى أمين الاعظمي رجلاً ذكياً حازماً مبدعاً أسس مع أخيهِ السيد حمدي أمين الاعظمي مشروع إسالة الماء في منطقة الأعظمية في عام 1922م. واليوم حين نستحضر الأعظمية نستحضر ضفافها وبساتينها ونخيلها ونستعيد معها أصوات السقائين ووجوه من حملوا القرب على أكتافهم وعرق من جرى بين السواقي وملامح أولئك الذين فرحوا بدخول الإسالة الحديثة. إنها ليست مجرد قصة ذاكرة حي نابضة بالحياة تمزج بين الماضي والإنسان والنهر. من لديه فكرة عن أسماء الشخصيات التي عملت في السقاية فليذكرها. |
