مسودة اتفاقية الطاقة مع أنقرة: بين الشراكة الاقتصادية والسطو على السيادة النفطية

مسودة اتفاقية الطاقة مع أنقرة: بين الشراكة الاقتصادية والسطو على السيادة النفطية
تطرح أنقرة اتفاقية طاقة شاملة مع العراق تجمع بين التعاون الاقتصادي ومخاطر التغلغل في القرار النفطي، إذ قد تؤدي بنودها إلى تقويض السيادة إن لم تُضبط بضمانات وطنية تضمن احتفاظ بغداد بحقوقها في التسويق والتصدير والإشراف القانوني....

المقدمة:

عاد ملف العلاقات العراقية–التركية إلى الواجهة مجددًا مع طرح أنقرة مسودة اتفاقية تعاون طاقة شامل يمتد ليشمل النفط والغاز والبتروكيماويات والكهرباء.

هذه الخطوة التي تُقدَّم في ظاهرها على أنها تعاون اقتصادي بين جارين، تثير داخل العراق أسئلة حساسة حول مضمونها الحقيقي، وحدودها السيادية، وما إذا كانت تهدف إلى تعزيز الشراكة أم إلى إعادة تشكيل النفوذ التركي في ثروة العراق النفطية.

فالاتفاقية لم تُوقّع بعد، لكنها تحمل في بنودها المقترحة عناصر قد تُفضي إلى تفريط تدريجي بالقرار النفطي، إن لم تُضبط بضمانات وطنية صارمة.

خلفية تاريخية: خط كركوك–جيهان والنزاعات المزمنة

يمتد خط أنابيب كركوك–جيهان من شمال العراق إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، وقد كان لعقود الشريان الرئيسي لتصدير النفط العراقي.

غير أنّ الخلاف بين بغداد وأنقرة حول تصدير نفط إقليم كردستان دون موافقة الحكومة الاتحادية أدّى إلى نزاع قانوني طويل، انتهى عام 2023 بقرار غرفة التجارة الدولية في باريس الذي ألزم تركيا بدفع تعويضات تقارب 1.5 مليار دولار للعراق، بسبب تصديرات غير مرخَّصة خلال أعوام 2014–2018.

منذ ذلك الحين توقف ضخ النفط عبر الخط، لتبدأ مفاوضات جديدة تهدف إلى إعادة تشغيله في إطار اتفاقية أوسع عنوانها “تعاون الطاقة الشامل”.

ملامح الاتفاقية المقترحة

تشير التسريبات إلى أن أنقرة تسعى لتوقيع اتفاقية تتضمن:

– تشغيل خط كركوك–جيهان بكامل طاقته التصديرية.

– توسيع التعاون في مجالات الغاز والبتروكيماويات والكهرباء.

– مشاركة فنية تركية في إدارة مرافق الخط وصيانته.

– احتمال تعيين “متعامل مستقل للتسويق” يتولى بيع النفط وتوزيعه نيابةً عن العراق وتركيا، بهدف تجاوز الخلافات السياسية بينهما.

هذا البند الأخير أثار جدلًا واسعًا في الأوساط العراقية، لأنه يعني عمليًا نقل جزء من القرار التسويقي من الدولة إلى شركة تجارية خارجية، وهو ما يُعدّ مساسًا ضمنيًا بالسيادة النفطية إن لم يُقيد بضمانات صارمة.

الفوائد المحتملة للعراق

– استعادة منفذ تصديري استراتيجي: إعادة تشغيل الخط تمنح العراق طريقًا إضافيًا لتصدير النفط نحو المتوسط وتخفف الضغط على موانئ الجنوب.

– تطوير البنية التحتية: قد توفر الاتفاقية تمويلًا تركيًا لإصلاح الأنابيب والمرافق المتقادمة.

– تنويع الشركاء والأسواق: خطوة تُسهم في تقليل الاعتماد على مسار واحد للتصدير.

– إيرادات تشغيلية إضافية: استئناف الضخ عبر الخط قد يعيد جزءًا من العوائد المجمدة منذ عام 2023، وهي إيرادات ناتجة عن توقف تصدير نحو 400 ألف برميل يوميًا من نفط إقليم كردستان عبر ميناء جيهان، بسبب النزاع القانوني مع تركيا.

– إعادة تنظيم الحقوق المالية: استرجاع هذه العوائد يتطلب اتفاقًا ثلاثيًا بين الحكومة الاتحادية، حكومة الإقليم، والشركات الأجنبية العاملة، لتحديد الأحقية وتوزيع المستحقات وفق الدستور العراقي وآليات التسويق الرسمية عبر شركة “سومو”.

المخاطر الكامنة: من التعاون إلى التفريط

رغم الإيجابيات المحتملة، فإن الخطر الأكبر يكمن في تفاصيل التنفيذ.

فأي اتفاق يمنح صلاحيات تسويقية أو تشغيلية طويلة الأمد لشركات تركية أو أجنبية، أو يحدّ من دور شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، يشكّل تفريطًا صريحًا بالسيادة الاقتصادية.  كما أن إدراج بنود تحكيم دولي ملزمة، أو منح أنقرة حق الإشراف الدائم على تشغيل الخط، قد يفتح الباب لتحكم تركي فعلي في شريان تصديري حيوي.

الخطر لا يكمن في مبدأ التعاون ذاته، بل في أن يتحول التعاون إلى غطاءٍ لهيمنةٍ فنية واقتصادية طويلة الأمد.

هل تجعل الاتفاقية تركيا مشرفة على النفط العراقي؟ الإجابة تعتمد على صياغة البنود النهائية.

فإن احتفظت بغداد بحق التصدير والتسعير عبر “سومو”، ووضعت قيودًا واضحة على صلاحيات الشركات التركية، فسيظل الدور التركي تقنيًا واستشاريًا.   لكن إن جرى منح تركيا أو متعامليها امتيازات تسويق أو تشغيل تمتد لسنوات طويلة، فإن أنقرة ستتحول بحكم الواقع إلى مشرفٍ فعلي على مسار النفط العراقي، حتى وإن لم تُعلن ذلك رسميًا.

شروط الحفاظ على السيادة الوطنية

لضمان أن تكون الاتفاقية تعاونًا لا تبعية، يجب أن تتضمن:

1. تأكيدًا قانونيًا على أن “سومو” هي الجهة الوحيدة المخوّلة بالتصدير والتسويق.

2. آليات شفافة لتوزيع الإيرادات ومراقبة الحسابات تحت إشراف البرلمان وهيئة النزاهة.

3. تحديد مدد زمنية قصيرة لأي تعاون تشغيلي مع حق المراجعة الدورية.

4. حظر الامتيازات الحصرية أو البنود السرّية التي تقيد حرية العراق المستقبلية.

5. اعتماد التحكيم وفق القانون العراقي، لا المحاكم الأجنبية، لحماية السيادة القانونية.

6. مشاركة كوادر عراقية فنية في إدارة الخط لضمان نقل الخبرة والسيطرة التقنية.

بين الشراكة والسطو المقنّع

لا يمكن وصف الاتفاقية بأنها “سطو” قبل الاطلاع على نصوصها، لكنها بلا شك تحمل عناصر خطرة قد تُفضي إلى تفريط تدريجي بالقرار النفطي.

فالتاريخ يُظهر أن فقدان السيطرة لا يأتي دفعة واحدة، بل عبر تنازلات صغيرة متراكمة تُغلّف بشعارات “التعاون والتكامل”.

ومن هنا، فإن واجب الحكومة العراقية والبرلمان والمجتمع المدني هو تدقيق كل بندٍ من بنود الاتفاقية قبل توقيعها، لأن النفط ليس سلعةً فحسب، بل رمزٌ للسيادة ومصدرٌ للحياة الوطنية.

الخاتمة:

إنّ العراق بحاجة إلى تعاون إقليمي متوازن لا إلى وصايةٍ جديدة.   فاتفاقية الطاقة مع أنقرة يمكن أن تكون فرصة اقتصادية ثمينة إذا صيغت بعقل وشفافية، لكنها قد تتحول إلى فخ سيادي خطير إن غابت عنها الضمانات الوطنية.

ويبقى السؤال المفتوح أمام صانع القرار العراقي:  هل سيكتب هذه الاتفاقية بروح الشراكة الندية، أم يسمح بأن تكون بوابة خلفية لسطوٍ جديد على ثروة العراق النفطية؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *