الانتخابات العراقية بين الفرص والتحديات شبهات وردود

الانتخابات العراقية بين الفرص والتحديات شبهات وردود
يناقش النصّ شبهات المشاركة في الانتخابات العراقية، مؤكّدًا أنّ الصوت الفردي مؤثّر، وأنّ المقاطعة تُعمّق الفوضى، داعيًا إلى وعيٍ انتخابيٍّ يحمي الدولة ويمنع عودة الفساد والانقسام الطائفي...
قد تبدو الانتخابات في ظاهرها ممارسة حضارية للتنافس بين القوى السياسية من أجل تداول السلطة سلميًا، لكنها في الأنظمة القائمة على الاصطفافات الطائفية والمكوناتية تستبطن نزاعات، بل صراعات عميقة تستحضر إرثها ومراكزها التاريخية، ونزعاتها الفكرية والإيديولوجية بكل قوّة وصلابة. وهي لا تختلف عن أية معركة أخرى، غير أنها موسمية ومقوّمة ومؤطّرة بالقانون. لذا يكتنفها الكثير من الشبهات والإشكاليات التي تستهدف التأثير على مزاج الناخب وإرادته. وقد نالت انتخابات مجلس النواب في دورته السادسة نصيبًا وافرًا من التحديات والشبهات التي نحاول الإجابة عنها مختصرًا في هذا المقال.

أولًا: البعض يقول: «أنا مجرد صوت واحد، فما الذي أستطيع أن أغيّره في هذه المعادلة الكبرى؟ وما هو تأثير صوتي على النتيجة النهائية؟»

جـ: إن الدستور أقرّ آلية التصويت بالنصف + واحد في جملةٍ من مواده. سواء كان التصويت بالأغلبية المطلقة أو البسيطة، فالعامل المؤثر فيها قد يكون صوتًا واحدًا. وعلى سبيل المثال ما جرى في عام 2006 حين فاز مرشح حزب الدعوة الإسلامية ابراهيم الجعفري بفارق صوت واحد فقط على منافسه مرشح المجلس الأعلى (نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي)، بعد أن لجأت القائمة إلى آلية التصويت بدلًا من التوافق عقب أسابيع من الخلاف حول الموضوع. وقد حضر عملية الاقتراع 129 عضوًا من كتلة الائتلاف (المؤلفة من 128 + 2 من الرساليين)، اثنان منهما وضعا ورقة بيضاء، وصوّت 64 لصالح الجعفري مقابل 63 لصالح عبد المهدي، فيما غاب حسن طعمة من التيار الصدري.

ثانيًا: إن صوت الناخب لن يغير شيئًا مادامت الأحزاب الكبيرة قد حسمت الأمر لصالحها.

جـ: هذا التصور خاطئ. فمنذ الانتخابات الأولى في العراق إلى الدورة الخامسة طرأ الكثير من التغيرات في الأوزان والأحجام الانتخابية والسياسية. تراجعت فيها أحزابٌ كبيرة وتقدّمت أحزابٌ صغيرة وتصدرت المشهد، وبرزت أسماء منفردة تركت أثرًا بالغًا في أداء مجلس النواب. إذن، الأصوات مؤثرة، ولولا ذلك لما انشغلت القوى السياسية بجمع أكبر عدد منها.

ثالثًا: لا جدوى من مشاركتي مادامت لا تؤثر في الوجهة السياسية والاقتصادية للبلد!

جـ: الواقع يثبت خلاف ذلك تمامًا؛ فالناخب يدلي بصوته للكيان أو للشخص الذي يمتلك برنامجًا ورؤيةً سياسيةً واقتصاديةً محددة. ويجب أن يكون متيقنًا أن الكيان السياسي الذي ينتخبه له رؤية واضحة. فمثلًا، كانت الوجهة الاقتصادية لرئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي نحو الصين، في حين أن توجه رؤساء الحكومات الذين تلوه اتّجه نحو أمريكا والغرب. فصوت الناخب  إذن يضاعف من الوزن الانتخابي ويحسم الأمر في الوجهة الاقتصادية والسياسية.

رابعًا: المنافسة في الانتخابات غير نزيهة وقد تمكن الأغنياء من شراء الأصوات بأموالهم.

جـ: هذا ليس سببًا مقنعًا بالكلية، وربما يتحمّل الناخب مسؤولية أكبر من الحكومة والأجهزة الرقابية. فالهبات المادية ينبغي ألا تغري الناخب  وتدفع به لبيع ضميره وخيانة وطنه. ومع ذلك، فإن حضور الناخب الواعي ينبغي أن يعاقب الجهات التي أغرت الناس بالأموال عبر تصويته للجهات النزيهة.

خامسًا: لا يوجد مرشح كفؤ سواء من الأحزاب أم من المستقلين!

جـ: صحيح أن انتخاب الشخص الكفؤ والنزيه مهم ومؤثر، لكن عمل البرلمان أشبه بعمل الفرق الرياضية؛ فالعمل فيه جماعي بالدرجة الأولى. لذا، عدم القدرة على تشخيص النائب الكفؤ لا يعفي من انتخاب الكيان الكفؤ.

سادسًا: البعض يخوّفنا بأن عدم تصويتنا للمرشحين الشيعة سيؤدي إلى أن القوى السنية ستتسنم قيادة البلد.

فما الضير في ذلك إذا كانوا أنزه من المرشحين الشيعة؟

جـ: أولًا، لا يوجد دليل قاطع على أن مرشحي السنة أنزه من مرشحي الشيعة، فهناك خلافات حادة داخل البيئة السنية حول نزاهة مرشحيهم. والأمر الآخر أن بعض زعماء القوائم السنية يتوعدون الشيعة وينعتونهم بأوصاف ذميمة؛ فكيف سيكون حالهم إن أمسكوا بالسلطة؟ لدينا تجربة مريرة في هذا الشأن. من جهة أخرى، التحولات الجارية في المنطقة والصراع مع إسرائيل لا تسمح بالتهاون ولو للحظة: وبقاء رئاسة الوزراء بيد الشيعة يُعدّ مهمًا في هذا السياق، لأن بعض المشاريع الإقليمية والدولية (كالتطبيع والابراهامية ) قد تُؤثر سلبًا على مصالح القوى الحرة والشيعة بوجه خاص.

سابعًا: نعتقد أن خيار المقاطعة هو الحل الصحيح ولا يوجد حل غيره!

جـ: القرآن علّمنا أننا إذا أردنا استبدال شيء بآخر فعلينا أستبداله بالأفضل، قال تعالى: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (سورة البقرة: 16). وبحكم العقلاء، المقاطعة الشاملة تفضي إلى انهيار العملية السياسية، وهذا الانهيار يؤدي إلى الفوضى، ولا يمكن القبول بالفوضى لأنها ليست في مصلحة أحد.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *