حين تتحول التفاهة إلى منصة للشهرة: كيف نواجه بدون أن نسوّق؟

حين تتحول التفاهة إلى منصة للشهرة: كيف نواجه بدون أن نسوّق؟
تنتشر شخصيات سطحية في الإعلام العراقي تروج لقضايا كبرى دون مؤهلات حقيقية، مدفوعة بالشعبوية وأحياناً أجندات خارجية، ما يهدد النسيج الاجتماعي ويقتضي مواجهة الظاهرة عبر تجاهل الأفراد وتحليل الخطاب وتعزيز الوعي المجتمعي البديل....

في المشهد العراقي الحالي، لا يمر يوم دون أن تطفو على السطح شخصية جديدة، تتحدث بثقة عن قضايا كبرى كحقوق المرأة، حرية التعبير، تشريع القوانين، العلاقة بين الدين والدولة، أو حتى النظام السياسي، بينما لا تمتلك هذه الشخصية لا تأهيلا معرفيا، ولا تجربة ميدانية، ولا رؤية فكرية واضحة، ولا حتى فهما بسيطا.

ورغم ذلك، تجدها تحظى بألاف المتابعين والتفاعلات، وتصبح فجأة “رمزا” لقضية، أو “صوتا” لمظلومية.

لكن:

-ما الذي يجعل هذه الشخصيات التافهة تأخذ حيزا أكبر من حجمها؟

-وهل نحن – من حيث لا نشعر – نساهم في تضخيمها؟

-وهل يمكننا مواجهة هذه الظاهرة من غير أن نروج لها؟

  • التفاهة المغلفة بالقضايا:

ليست المشكلة أن يتبنى أحدهم رأيا مختلفا أو موقفا نقديا، فحرية الرأي والتفكير من ضروريات أي مجتمع حي.

لكن المشكلة تبدأ حين تستخدم القضايا العادلة، مثل حقوق الانسان، حرية المرأة، أو مواجهة القوانين الجائرة، أو النقد السياسي، كـ “منصات جاهزة للشهرة”، دون أي التزام معرفي أو أخلاقي.

حيث تطرح الأفكار بطريقة صدامية، سطحية، وركيكة، لا بهدف الإقناع، بل بهدف الاستفزاز، وإثارة الجدل، وحصد التفاعل.

وهكذا تتحول التفاهة إلى مشروع شهرة مبطن، تسوّق فيه الشعبوية على أنها شجاعة، والجهل على أنه تحرر، والانحلال على أنه حرية.

  • خوارزميات الشهرة وأجندات الخفاء:

ما يجعل الأمر خطيرا، هو أن هذه الشخصيات لا تتحرك فقط بدافع الشهرة أو التفاعل، بل بعضها يرتبط، مباشرة أو بشكل غير مباشر، بأجندات خارجية، تموّل وتروّج لكل من يضرب المنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع من الداخل.

الهجوم على قانون الأحوال الشخصية، مثلا، لم يأتي من خلفية قانونية أو فقهية، بل جاء من منابر سطحية تصوّر الزواج على أنه عبودية، والولاية (الاب، الزوج) على أنها قمع.

لهذا تحولت “حرية التعبير”، إلى تطبيع مع الشتيمة، والمساس بالمقدسات، وتبرير خطاب الكراهية.

والمطالبة بـ (علمنة الدولة)، تطرح اليوم على شكل سب للدين، لا نقاش في دور الدين بالدولة الحديثة.

هذه النماذج غالبا تستقبل وتحتضن في الإعلام العربي والغربي، وتقدّم كـ “أصوات للتغيير”، بينما عمليا هي أدوات لتشويه الصورة، وتمزيق النسيج الاجتماعي.

  • فضيحة للتسويق: حين تصبح الخصوصية أداة للابتزاز:

في مرحلة متقدمة من الانحدار الأخلاقي، تلجأ بعض الشخصيات “التافهة!” إلى اختلاق فضائح شخصية، واستغلالها، كوسيلة للعودة إلى الأضواء.

(تنشر صور أو محادثات يقال إنها “سرّبت من جهات معادية!!”، وغالبا ما يوجّه الاتهام إلى خصوم سياسيين أو دينيين، دون دليل حقيقي).

والهدف من ذلك ثلاثي الأبعاد:

-كسب تعاطف شعبي عام يعيد الشخص إلى دائرة الشهرة والضوء.

-تشويه صورة الخصوم ووصمهم بأنهم قمعيون، متلصصون، وغير (ديمقراطيين!).

-تحويل الجدل من نقاش حول الكفاءة والطرح إلى جدل حول الأخلاق والخصوصية.

هذا النوع من التلاعب العاطفي يستخدم كسلاح في “معركة الوعي”، ويظهر كيف يمكن أن تتحول الفضيحة إلى استثمار، وكيف يستثمر حتى “العار” من أجل مكاسب سياسية أو شهرة شخصية.

  • نحن جزء من المشكلة:

المفارقة أن كثيرا من منتقدي هذه الظواهر، يساهمون (دون قصد) في تضخيمها، فكل رد، كل شتيمة، كل مقطع يعاد نشره “للفضح!!”، كل حلقة تخصص للرد عليهم… هي مادة إضافية تسهم في شهرتهم.

هم لا يخشون الفضيحة، بل يتغذّون عليها، ويعملون على قاعدة: “خالف تعرف”، وسيئ أو جيد، أهم شي (تسولف بيك الناس).

  • كيف نواجه؟ دون أن نسوّق؟

1-تجاهلهم إعلاميا، والتركيز على الظاهرة لا الأشخاص، وانتقاد المحتوى الفارغ، الخطاب السطحي، أو منهجية التفكير، من غير ذكر أسماء، ولا عرض مقاطع.

2-بناء بدائل حقيقية ومنافسة، ودعم الشخصيات الواعية، من النساء والرجال، الذين يمتلكون لغة رصينة، وعمق فكري، وقدرة على الحوار.

3-تفكيك الخطاب لا محاربته بالصراخ، نحتاج إلى تحليل أفكارهم وكشف تناقضها وتفاهتها بمنهج نقدي رصين، لا بردود غاضبة تزيد من شهرتهم.

4-مقاطعة الإعلام المروّج لهم، سواء كان محليا أو أجنبيا، يجب أن يعرّى خطابه وأهدافه، خصوصا حين يلبّس مشاريع التخريب لبوس الحقوق.

5-رفع الوعي الجمعي بخطر “المحتوى المسموم”، خصوصا بين المراهقين والشباب، عن طريق حملات ثقافية، وأدوات إعلامية بديلة.

أخيرا:

التفاهة حين تتزيّا بثوب القضايا العادلة، تصبح أخطر من الفساد المالي أو القمع السياسي، لأنها تنخر الوعي الجمعي، وتربك البوصلة، وتشوه المفاهيم.

ومعركتنا اليوم، ليست فقط مع شخصيات تافهة تتكلم باسم المرأة أو الحرية أو التغيير… بل مع المنظومات التي تخلقهم، وتدعمهم، وتسوقهم على أنهم “مستقبل البلد”.

وأول خطوة في المواجهة، “ألا نمنحهم المعركة التي يريدونها.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *