ما همّ النبيه من جعجعة الرياح؟

ما همّ النبيه من جعجعة الرياح؟
النصّ يرسم نبيه بري رمزًا للصبر والحكمة، يجمع بين المقاومة والسياسة، ويثبت في وجه الأزمات والتهديدات، حاملاً توازن لبنان ووحدته، صخرةً تتكسر عليها العواصف ويبقى جذعها الأخضر رمزًا للوطن والاعتدال...

قراءة وجدانية في سيرة نبيه بري: من تلميذ الإمام إلى صخرة الوطن

في بلادٍ تعبت من الحروب والنسيان، يُولد بين الناس رجلٌ يشبه ظلَّ سنديانةٍ لبنانيةٍ عتيقة، لا تهزّها الرياح مهما اشتدّت.

ذلك هو نبيه بري، الحاضر الدائم في عواصف التاريخ، الذي حمل وطنًا منسيًا على كتفيه، فصار اسمه مرادفًا للصبر والدهاء، وللثبات الذي لا تخلعه السنين.

من تلميذ الإمام إلى قائد المقاومة

كان لقاؤه بالإمام موسى الصدر نقطة التحوّل الكبرى في حياته. لم يكن لقاء تلميذٍ بأستاذه فقط، بل لقاء روحٍ بعقيدة.

رأى في الصدر معنى الكرامة والعدالة، وتعلّم أن السياسة ليست حرفة المناورة فقط، بل ميثاق الدفاع عن الإنسان.

وحين غاب الإمام، لم يغب نبيه بري؛ بل وقف في الفراغ كمن أُوكل إليه أن يحمل الأمانة في وجه النسيان.

وفي زمنٍ كان الجنوب اللبناني يُقصف وتُهدم بيوته، كان بري بين أولئك الذين آمنوا أن الكلمة لا تحرر أرضًا إن لم تساندها البندقية.

قاد أفواج المقاومة اللبنانية – أمل، لا لتكون حزبًا، بل درعًا لوطنٍ منسيٍّ على خرائط العالم.

لم يكن مقاتلًا تقليديًا، بل رجلُ عقلٍ يقاتل بعقله كما بسلاحه.

قال يومًا في إحدى خطبه:

“نحن لا نحمل السلاح إلا لنزرع السلام، ولا نقاتل إلا لنصنع الوطن الذي لا يُذلّ فيه أحد.”

تلك العبارة كانت خلاصة فلسفته في المقاومة: أن القوة ليست غاية، بل وسيلة لكرامة الإنسان.

من قائد الميدان إلى سيد المجلس

ومع انتهاء الحرب، كان نبيه بري أول من فهم أن زمن البندقية لا بد أن يفسح مكانه لزمن السياسة.

دخل المعترك من بابه الواسع، فكان انتخابه رئيسًا لمجلس النواب عام 1992 إعلانًا بأن الجنوب الثائر أبدا وضاحية الكرامة وخزان المجاهدين البقاع دخلوا الدولة، لا كمُستجدين، بل كشريكٍ في القرار.

منذ ذلك الحين، أثبت الرجل أنه لا يجلس على كرسيٍّ بل على ميزانٍ دقيق بين الطوائف والاتجاهات.

لم تكن مهمته سهلة؛ كانت أشبه بمهمة ملاحٍ يقود سفينة مثقوبة في بحرٍ من العواصف.

لكنه — بخبرته، وهدوئه الذي يُخفي صلابةً فولاذية — جعل المجلس مساحةً للحوار حين كانت البلاد على شفير الانفجار.

قال ذات مرة في لحظةٍ سياسية حاسمة:

“ليس في قاموسي شيء اسمه اليأس. في لبنان، حتى الرماد يُمكن أن ينهض إن صدقت الإرادة.”

وهكذا ظلّ نبيه بري طيلة ثلاثة عقود يجمع المتخاصمين، ويُطفئ الحرائق، ويحوّل الخلافات إلى طاولة لا إلى معركة.

نجاح المسيرة في كل ظرف

نجاح بري لم يكن ضربة حظ، بل ثمرة وعيٍ نادرٍ بظروف كل مرحلة.

نجح في الحرب لأنه كان مقاتلًا واقعيًا يعرف أن الكرامة لا تُشترى.

ونجح في السياسة لأنه كان حكيمًا يعرف أن الوطن لا يُبنى بالعناد بل بالتوازن.

حتى خصومه، الذين لا يوفرونه من النقد، يعترفون ضمنًا أن الرجل كان دائمًا حاجةً للوطن

للقريب والصديق، وللبعيد والخصم، بل حتى للعدو الذي لا يملك إلا أن يحسب حسابه.

لقد أصبح صوتًا مسموعًا خارج الحدود،

وصار يُستشار في ملفاتٍ إقليميةٍ ودولية،

لأن من خبر الحرب والسلم معًا، يملك لغة لا يعرفها سوى من دفع الثمن غاليًا.

جعجعة الداخل وتهديد الخارج

غير أن الرياح لا تهدأ حول الأشجار العالية.

كثيرون من صغار السياسة في الداخل رفعوا أصواتهم ظنًّا أن الضجيج يُسقط الصخر.

لكن ما همّ النبيه من جعجعة الرياح؟

فهو يدرك أن الأصوات التي تهاجمه ليست إلا صدى لعجزها،

وأن الحاقد لا يُطلق كلامه إلا حين يعجز عن الفعل.

أما الخارج، فلم يكن أرحم.

حين تُحلّق المسيرات الإسرائيلية فوق عين التينة أو فوق موكبه،

فذلك ليس استعراضًا تكنولوجيًا، بل رسالة تهديدٍ واضحة:

غيّر موقفك، خفف من دعمك للمقاومة، أو أصمت في وجه التطبيع.

لكن بري، الذي خبر العدو منذ زمنٍ طويل،

يبتسم في وجه تلك الطائرات كما يبتسم الجبل في وجه العاصفة.

هو يعرف أن من يقف مع المقاومة يقف مع التاريخ،

ومن يخضع للتهديد، يخرج من التاريخ.

قال مرةً في أحد خطاباته في ذكرى التحرير:

“لن نُبدّل تبغ الجنوب بعنب الجليل، ولن نُقايض كرامة الناس بأي وعودٍ زائلة.

نحن أبناء هذه الأرض، نحيا فيها، ونُدفن فيها، ولا نبيعها بثمنٍ أو خوف.”

بهذا الثبات، صار بري أشبه بجذع زيتونةٍ عمرها قرن، تتكسّر حولها الفؤوس، لكنها تبقى خضراء.

رجل البصيرة وسط ضباب الزمن

يقول البعض إنّ السياسة في لبنان متاهة،

لكن بري جعل من المتاهة خريطة.

يمشي فيها بعينٍ تعرف أين تُغلق الأبواب وأين تُفتح النوافذ.

قد يبطئ حينًا، لكنه لا يتراجع.

قد يُصغي طويلًا، لكنه حين يتكلم، يُغيّر مسار النهر.

هو ليس رجل السلطة كما يصوّره خصومه،

بل رجل التوازن، يدرك أن لبنان لا يعيش إلا على حدّ الاعتدال.

ولذلك صار لسانًا ناطقًا باسم الجنوب حين يُهمّش،

وحائط صدّ حين يُهدد، وجسر تواصلٍ حين تتقاطع السيوف بين الإخوة.

خاتمة: النبيه والريح

ما همّ النبيه من جعجعة الرياح؟

فهو من طينةٍ لا تهزّها العواصف، بل تُغذّي جذورها.

لقد مرّت عليه الحروب، والاغتيالات، والتحريض، والاتهامات،

لكنه بقي واقفًا، كأنّ لبنان نفسه اتكأ على صموده.

إنه ليس رجلًا من زمنٍ مضى، بل زمنٌ في رجل.

يمرّ أمامه التاريخ فيبتسم،

كأنه يقول:

“لقد رأيتُ الرياح كلّها تمرّ، وما زلتُ هنا.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *