في لبنان، لا يُقاس الوجع بالكوارث، بل بالبيانات السياسية التي تليها.
وها نحن بعد عدوانٍ استمر ستةً وستين يومًا، نرى ساسة الطوائف يقفون أمام الشاشات وكأنهم يلقون خطب التأبين. لا أحد منهم ينعى الوطن، بل “الزميلة في المواطنة” — الطائفة الشيعية، وكأنها توفيت فجأة في مستشفى الأمم، بعد صراعٍ طويلٍ مع المقاومة.
الموارنة… حُراس الجمهورية القلقة
منذ ولادة “لبنان الكبير” عام 1920، كان الموارنة حجر الزاوية في فكرة الدولة. حملوا حلم الغرب في الشرق، ورسالة التعدد والحرية. لكن بعد اتفاق الطائف عام 1989، تراجعت صلاحيات رئيس الجمهورية الماروني، فبدأت الطائفة تتحدث بلغة “الاستعادة” لا “القيادة”.
ومنذ ذلك الحين، يعيش بعض السياسيين الموارنة في حنينٍ دائم إلى زمن السلطة الأولى، حتى ليبدو خطاب بعضهم اليوم كأنه يقول: “لقد تعبت الجمهورية من مقاوميها.”
لكن الواقع أن من تخلّى عن الدولة لصالح المزارع الطائفية هو من يُجهز اليوم على فكرة لبنان لا على الطائفة الشيعية.
السنة… من بيروت العروبة إلى غياب الزعامة
أما الطائفة السنية، فقد كانت لعقود ركيزة العروبة في لبنان.
من رياض الصلح إلى رفيق الحريري، لعبت دور الوسيط بين الداخل والخارج. لكن بعد الاغتيال الكبير عام 2005، انكسرت الزعامة الجامعة، وبدأت الطائفة تبحث عن نفسها وسط عواصف السياسة الإقليمية.
حين خرج سعد الحريري من المشهد السياسي قائلاً: “لا مكان للاعتدال في هذا النظام المريض”، ظنّ البعض أنه يعلن نعي الوطن بأسره. واليوم، يتحدث بعض السياسيين السنة بنبرةٍ توحي وكأنهم يواسون الشيعة لا حبًا فيهم، بل شفقةً على أنفسهم من الفراغ.
الدروز… الواقعيون الحذرون
الدروز، أول من قرأ لبنان ككيان هشّ يعيش على توازن الرعب.
منذ كمال جنبلاط حتى وليد، عرفوا أن البقاء في الجبل يحتاج ذكاءً أكثر من القوة.
وحين خرج الزعيم المخضرم قبل أشهر قائلاً إن “لبنان ذاهب إلى المجهول والمقاومة ليست وحدها من سيدفع الثمن”، فهم البعض كلامه تحذيرًا، وآخرون اعتبروه نوعًا من الرثاء الوطني العام.
لكنها براغماتية درزية قديمة: مراقبة الجميع، والتصفيق للمنتصر الأخير، ولو بعد حين.
الشيعة… من الهامش إلى قلب الدولة
أما الطائفة الشيعية، التي طالما عاشت في هامش السلطة، فقد بنت مجدها من عرقها ودمها.
من موسى الصدر إلى التحرير عام 2000، ومن تموز 2006 إلى عدوان الستة والستين يومًا في 2024، لم تكن هذه الطائفة يومًا ضحيةً تنتظر النعي، بل شريكًا في صناعة الوجود.
لكن المدهش اليوم، أن تسمع سياسيًا يطلّ على شاشةٍ ليقول بابتسامةٍ عريضة: “لقد تعب الشيعة من الحروب، والمجتمع الدولي يراقب.”
يا للعجب! كأن الصمود أصبح تهمة، والمقاومة دليل شيخوخة.
هل تعب الشيعة؟ ربما، لكنهم لم يسقطوا. هل جاعوا؟ نعم، لكنهم لم يساوموا.
من تعب حقًا هو من باع الوطن بنصف بيان، ومن فقد القدرة على الحياء قبل القدرة على الحكم.
الطوائف التي أحياها العدوان وأخرى ماتت من الداخل
العدوان الأخير كان كاشفًا لا مدمّرًا.
فقد أظهر أن بعض الطوائف حية بجراحها، وأخرى ميتة بشعاراتها.
فبينما انشغل البعض بعدّ الأنقاض في الجنوب، كان الجنوب يعيد عدّ نفسه.
وبينما تحدثت بعض القنوات عن “تراجع بيئة المقاومة”، كانت المساجد والحسينيات والبيوت المهدّمة تمتلئ بالناس، يحملون الخبز والدمع والعناد ذاته الذي انتصر عام 2006.
سخرية المأتم السياسي
ولأن اللبناني بارع في تحويل المأساة إلى مسرح، جاءت خطابات الساسة كفصولٍ من كوميدياٍ سوداء.
أحدهم قال: “لا يمكن للبنان أن ينهض والمقاومة تُمسك بقراره.”
والآخر صرخ: “لقد دمرت الحرب اقتصاد الطائفة الشيعية.”
لكن ماذا عن اقتصادكم أنتم؟ أين المصارف التي نهبت ودائع الناس؟ أين الدولة التي صرختم بفسادها ثم تسابقتم على مقاعدها؟
كأن من يتحدث عن ضعف الشيعة هو نفسه الذي يعيش على ضعف الدولة.
الشيعة بين النار والنور
الحقيقة التي يتهرب منها الجميع أن الطائفة الشيعية اليوم، رغم الدمار، في ذروة قوتها المعنوية والسياسية والاجتماعية.
شبابها لا يزالون في الميدان — من الجبهات إلى الجامعات، من العمل الإنساني إلى البحث العلمي.
وإذا كان العدوان قد دمّر الحجر، فقد زاد الوعي صلابةً والكرامة حضورًا.
لم تمت الطائفة، بل ماتت خطابات خصومها القديمة، تلك التي ما زالت تظن أن الجنوب يمكن أن يُهزم بالقصف، وأن الضاحية يمكن أن تُكسر بالحقد.
بين الطائف والوطن
كل طائفة في لبنان تحمل جرحًا، لكن ليس من حق أحد أن يدفن الأخرى.
فاللبنانيون، مهما اختلفت مذاهبهم، لا يملكون ترف الانقسام بعد اليوم.
والطائفة الشيعية، برصيدها التاريخي ونبضها المقاوم، ليست عبئًا على الوطن، بل أحد آخر أعمدته الباقية.
هي التي أثبتت، منذ أن قصفت “نيوجرسي” الضاحية عام 1982 بلا جدوى، أن الكرامة لا تُقصف.
وهي اليوم، بعد عدوانٍ أشدّ وأطول، تقول للعالم كله: لسنا نطلب شفقة أحد، بل نحمل هذا الوطن على أكتافنا كي لا يسقط على رؤوسكم جميعًا.
نحو شراكة السيادة
من يظن أن الشيعة انتهوا، لم يفهم بعد أن هذه الطائفة لا تعرف “الزوال” بل “التجدد”.
هي لا تسعى لهيمنةٍ ولا لتفرّدٍ، بل لشراكةٍ وطنيةٍ حقيقية تُبنى على العدالة لا على المحاصصة.
وإذا كانت المقاومة اليوم في صدارة المشهد، فذلك لأنها تمارس ما عجزت عنه الدولة: حماية الأرض والكرامة.
أما من ينعى الطائفة الشيعية، فالأجدر به أن ينعى ضميره السياسي أولًا، ثم يسأل نفسه:
من الذي بقي واقفًا حين انكسر الجميع؟
ومن الذي لا يزال يرفع علم لبنان في ساحات النار لا في موائد السفارات؟
الشيعة لم يموتوا، بل يعيشون أكثر من أي وقتٍ مضى.
ولبنان، إن كان له قلبٌ ينبض بعد كل هذه الأزمات، فهو في الجنوب الذي يضيء رغم العتمة،
وفي العيون التي لا تعرف الخوف،
وفي الإيمان بأن هذا الوطن لا يُنقذ بالساسة، بل بالصادقين .


