الانتخابات البرلمانية في العراق اشكالية المقاطعين وحجج الداعمين

الانتخابات البرلمانية في العراق اشكالية المقاطعين وحجج الداعمين
تُبرز المشاركة الانتخابية في العراق بعد 2003 كحق وواجب وطني، وسدّ أمام الفساد والتطرف، مع التأكيد على أن المقاطعة تمنح الآخرين فرصاً للهيمنة، بينما الديمقراطية تحتاج إلى وعي شعبي وثقافة سياسية متراكمة...

لا شك أن الأنظمة الديمقراطية تقوم على آلية الانتخابات كوسيلة للوصول إلى السلطة، وهي الحلم الذي تسعى إليه الأحزاب لتحقيق أهدافها عبر برامجها. والعراق، بعد سقوط النظام الدكتاتوري في عام 2003، لم يشذ عن هذه القاعدة. إلا أن البناء الديمقراطي يحتاج إلى وقت طويل وترسيخ لثقافة مجتمعية تؤهل لتحقيق نظام ديمقراطي مثالي، خاصة في دول العالم الثالث. وقد قطع العراق خطوات واعدة في هذا المجال، رغم التحديات الجسيمة التي واجهتها عملية التحول الديمقراطي، من إرهاب وطائفية وتدخلات إقليمية ودولية، فضلاً عن انتشار الفساد المالي والإداري.

وتُعد المشاركة في الانتخابات، التي تمثل الواجهة الأساسية للممارسة الديمقراطية، حقاً مكفولاً لكل مواطن بالغ، سواء بالترشح أو التصويت. وقد صاحب هذه الممارسة مواقف متعارضة، حيث سعت بعض الأطراف إلى التقليل من شأنها بحجج واهية، في حين دافع عنها آخرون كضرورة لترسيخ مبدأ التداول السلمي للسلطة، بدعم من المرجعية الدينية والأمم المتحدة ودول صديقة. ومع كل دورة انتخابية، تبرز أصوات تدعو إلى المقاطعة، إلا أن هذه الدورة تميزت بحضور قوي لهذه الأصوات، مما يستدعي قراءة موضوعية لأسباب المقاطعة والرد عليها.

أولاً: لماذا المشاركة واجب وطني؟

  1. المشاركة سد منيع ضد الفساد:

يؤدي انخفاض الإقبال الانتخابي إلى زيادة القوة النسبية للأصوات المشتراة أو المُوجّهة. فالمرشحون الفاسدون يعتمدون على ضعف المشاركة لتحقيق انتصارات غير ممثلة للإرادة الشعبية الحقيقية، حيث أن قاعدة دعمهم المباشر ستظل مصوتة لصالحهم.

  1. تجريد المتطرفين من الشرعية:

تسعى الجماعات المتطرفة إلى اكتساب الشرعية من خلال المنصات الرسمية مثل البرلمان. وإنخفاض نسبة المشاركة يمنح هذه الجماعات فرصة للفوز بمقاعد، مما يضفي عليها شرعية خطيرة تمكنها من التأثير في القرارات المصيرية للبلاد.

  1. مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع:

العيش في مجتمع يمنح مواطنيه حقوقاً يقابله واجب المشاركة في حماية هذا المجتمع وتطويره. ومقاطعة الانتخابات تشبه التخلي عن مسؤولية الرقابة والمحاسبة، مما يفتح الباب أمام الاستبداد وسوء الإدارة.

  1. إهدار لتضحيات الماضي:

لم يأتِ الحق في الانتخاب بسهولة، بل هو نتاج نضالات وتضحيات جسامة. لذا، فإن عدم المشاركة هو إهدار لتلك التضحيات وتراجع عن مكاسب دفع ثمنها الغالي.

  1. المقاطعة موقف غير محايد:  عدم المشاركة ليس حياداً، بل هو قرار فعّال بمنح الآخرين – وربما أسوئهم – الحق في تقرير المصير نيابة عنك. فإذا تسلق الفاسدون أو المتطرفون إلى السلطة بسبب المقاطعة، يتحمل كل مقاطع جزءاً من المسؤولية الأخلاقية عن هذه النتيجة.

ثانياً: الحجج المضادة: دوافع المقاطعين

  1. حق وليس إلزاماً: الحق في الانتخاب يتضمن بالضرورة الحق في عدم الانتخاب. وإجبار المواطن على التصويت يمَسُّ حريته الشخصية، وقد تستخدمه بعض الأنظمة غير الديمقراطية لتلميع صورتها.
  2. رفضاً للنظام الفاسد: إذا كان النظام الانتخابي نفسه غير نزيه، أو كانت الخيارات المتاحة كلها سيئة، فإن المشاركة قد تمنح شرعية زائفة لهذا النظام. هنا، تكون المقاطعة وسيلة احتجاج قوية لإظهار رفض الجمهور للعملية برمتها.
  3. غياب الخيارات الجيدة: عندما لا يرى الناخب فرقاً حقيقياً بين المرشحين أو يحبطه ضعف برامجهم، يصبح عدم المشاركة تعبيراً عن رفض اختيار “أقل الشرين”. وإجباره على هذا الاختيار يفتقر إلى المنطق.
  4. التركيز على قنوات التغيير الأخرى: يرى البعض أن التغيير الحقيقي في الأنظمة المغلقة لا يأتي عبر صناديق الاقتراع وحدها، بل عبر العمل المجتمعي والضغط الشعبي والصحافة الحرة وتربية جيل جديد. فهم لا يقاطعون كسلاً، بل يوجهون طاقاتهم إلى مسارات بديلة.

الخلاصة

بعد استعراض حجج الطرفين، وتأملًا في تجارب الدول الديمقراطية العريقة، نجد أن بناء الديمقراطية عملية تراكمية خاضت خلالها تلك الأمم صراعات فكرية واجتماعية وسياسية لعقود قبل أن تصل إلى ما هي عليه اليوم من استقرار. والعراق، في بداية هذا الطريق، لا يزال بحاجة إلى وقت ليس بقصير لبلورة سياساته ونشر ثقافة مجتمعية واعية تتجاوز النعرات الطائفية التي لا تزال تلعب دوراً كبيراً في كل استحقاق انتخابي.

لذا، فإن الاستمرار في العملية الديمقراطية يبقى ضرورياً. فالعراق اليوم، رغم كل مشاكله، أفضل حالاً مما كان عليه قبل 2003، وأفضل مما كان عليه قبل خمس أو عشر سنوات. المشاركة الفاعلة في الانتخابات هي الخطوة الأساسية للانتقال إلى مرحلة جديدة، وهي الدرع الذي يحمي الأمة من عودة الدكتاتورية وهيمنة الفاسدين. ويبقى صندوق الاقتراع أول خطوط الدفاع عن الوطن.

وأخيراً، أقول للقائلين بالمقاطعة: هل أنتم مستعدون لتحمل تبعات قراركم على مستقبل هذا البلد وأبنائه؟

بغداد السلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *