انعقدت في مدينة شرم الشيخ المصرية قمة السلام حول غزة وسط حضور دولي واسع شمل أكثر من واحدٍ وثلاثين قائداً ورئيس دولة ومنظمة إقليمية ودولية وبرئاسة مشتركة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس الأميركي دونالد ترامب لتكون واحدة من أكثر القمم حساسية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث.
القمة التي جاءت عقب حرب استنزاف قاسية في غزة شهدت توقيع وثيقة شاملة بين الولايات المتحدة ومصر وتركيا وقطر هدفت – كما ورد في بنودها – إلى تحقيق طموحات شعوب المنطقة في السلام والأمن والازدهار وبناء رؤية مشتركة قائمة على الاحترام المتبادل والمصير المشترك.
لكن خلف هذه العبارات الدبلوماسية الأنيقة تختبئ حسابات عسكرية وجيوسياسية دقيقة تجعل السؤال مشروعاً هل نحن أمام قمة سلام حقاً أم بداية لمرحلة جديدة من الصراع؟
مشهد القمة.. تناغم معلن وتنافس خفي
في خطابه الافتتاحي وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترامب كلمات شكر مشحونة بالرمزية إلى الحلفاء الإقليميين فامتدح الرئيس السيسي قائلاً إن مصر “تقود دولة تمتد حضارتها لسبعة آلاف سنة” وأشاد بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان واصفاً إياه بأنه “رجل مذهل وصديق رائع” كما أثنى على أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني واصفاً إياه بأنه “قائد مذهل”.
ورغم طابع المجاملة في هذه التصريحات إلا أنها تعكس محاولة أميركية واضحة لبناء محور جديد للسلام تقوده واشنطن والقاهرة وأنقرة والدوحة في مقابل محور آخر تتزعمه طهران ويضم قوى المقاومة التقليدية في فلسطين ولبنان وسوريا والعراق واليمن.
القمة أعلنت بدء العمل خلال أيام على وضع الأسس لإعادة إعمار غزة وهو هدف يبدو إنسانياً في ظاهره لكنه يحمل مضموناً استراتيجياً أعمق: إعادة رسم ملامح السلطة والإدارة في القطاع وربما إعادة هيكلة المشهد الفلسطيني بما يتناسب مع خريطة نفوذ ما بعد الحرب.
العراق.. حضور ضروري ودور متجدد
شارك العراق في القمة ممثلاً برئيس الوزراء محمد شياع السوداني في خطوة مهمة أكدت رغبة بغداد في استعادة دورها الريادي في قضايا الأمة العربية والمشاركة الفاعلة في أي مشروع لإنقاذ الشعب الفلسطيني والمساهمة في إعادة إعمار غزة ضمن رؤية عربية موحدة.
لكن المشاركة العراقية لم تخلُ من تحديات خصوصاً بعد تصريح الرئيس الأميركي الذي قال فيه إن “العراق يمتلك ثروة نفطية كبيرة لكنه لا يديرها جيداً وقد تنشأ مشكلة إذا لم يحسن استغلالها”.
هذا التهديد المبطن كما وصفه العديد من المراقبين يعكس ضغطاً أميركياً متزايداً على الحكومة العراقية ويضع أمامها خيارين أحلاهما مرّ:
- الرضوخ للمطالب الأميركية بحل الفصائل المسلحة وتنفيذ إصلاحات عميقة في بنية الدولة نحو نموذج مدني موحد.
- أو مواجهة عقوبات اقتصادية محتملة تستهدف قطاع النفط وربما تتبعها عمليات إسرائيلية محدودة داخل الأراضي العراقية تحت ذريعة “مكافحة النفوذ الإيراني”.
هنا تبدو مهمة رئيس الوزراء أشبه بالسير على حافة السيف بين الحفاظ على السيادة الوطنية والأمن السلام للعراق وموازنة العلاقات الدولية المتشابكة.
إيران.. المقاطعة التي تحمل رسالة
على الضفة الأخرى قاطعَت إيران القمة في خطوة لم تكن مفاجئة ولكنها مثقلة بالرموز. فبحسب محللين إيرانيين تمثل القمة منعطفاً جيوسياسياً يتجاوز غزة إذ تسعى واشنطن والقاهرة لقيادة مرحلة ما بعد الحرب عبر إعادة الإعمار وضمان أمن القطاع.
وترى طهران أن المشاركة كانت ستعني إضفاء شرعية على مشروع تعتبره مناقضاً لمصالحها فضلاً عن مخاوف من ضغوط داخلية من التيارات المناهضة للغرب.
لكن غياب إيران عن طاولة القرار يعني أيضاً خسارة فرصة التأثير في المشهد الفلسطيني الجديد وربما اتساع عزلتها الجيوسياسية في ظل إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.
إيران اليوم تقف أمام خيارين لا يقلان خطورة:
- التخلي عن مشروعها النووي وحل الحرس الثوري والاتجاه نحو التطبيع والانفتاح.
- أو مواجهة سيناريو أكثر كارثية يتمثل في ضربة عسكرية قد تؤدي إلى تفكك النظام وتقسيم البلاد إلى دويلات متناحرة.
البيت الإبراهيمي… الجسر الجديد نحو شرق أوسط مختلف
قمة شرم الشيخ لم تكن مجرد اجتماع سياسي عابر بل محطة رمزية تحمل في طياتها البعد “الإبراهيمي” الذي يواصل تمدده من أبوظبي إلى سيناء في مسارٍ يرسم ملامح شرق أوسطٍ جديد تُعاد صياغته بلغة التعايش والسلام.
ومن هنا جاء اختيار شرم الشيخ مدينة السلام القريبة من سيناء أرض الوحي والعبور ليكون المكان الذي يُعلن منه عن مرحلة ما بعد الحرب بلغة تتجاوز السلاح نحو “البيت الإبراهيمي الاقليمي الجديد”.
فالمشروع الذي بدأ دينيًا تحوّل اليوم إلى رؤية جيوسياسية تتبناها واشنطن كإطار لتطبيعٍ شامل تحت عنوان “أبناء إبراهيم” يهدف إلى دمج إسرائيل في نسيج المنطقة العربيّة وإعادة هندسة الهويات السياسية والاقتصادية للدول.
إن “البيت الإبراهيمي” لم يعد مبنى في أبوظبي فحسب بل فكرة تتجسّد في القمم والمؤتمرات تسعى لتبديل الصراع بالعلاقات والمواجهة بالشراكة والعقيدة بالمصالح.
وقمة شرم الشيخ لم تكن سوى التطبيق العملي الأول لهذا الفكر الذي يجمع الدين بالسياسة والرمز بالعقيدة ليُعاد رسم الشرق الأوسط من جديد — لا على حدود النار بل على خرائط “السلام الإبراهيمي” القادم.
من السلام إلى طبول الحرب
ورغم الأجواء التفاؤلية التي سادت بيانات القمة فإن كثيراً من المراقبين يرون أن هذه القمة هي مشروع الشرق الأوسط الجديد بصياغة أميركية – مصرية وأنها قد تكون مقدمة لإعادة ترتيب خرائط النفوذ لا لإنهاء النزاعات.
فالمشهد الراهن ينذر بأن الهدنة الهشة في غزة قد تكون مؤقتة وأن ما بعد القمة قد يحمل تصعيداً أوسع يمتد إلى لبنان والعراق وربما إيران نفسها في حال تعثّر تنفيذ الاتفاقات أو فشلت واشنطن في ضبط توازن القوى بين حلفائها وخصومها.
الحديث عن “سلام شامل” يبدو من حيث الشكل جميلاً لكنه على الأرض سلام مشروط بالقوة مرهون بقدرة الأطراف الكبرى على فرض معادلتها وبمدى استعداد القوى الإقليمية للقبول بها.
الخاتمة
بين العناوين الوردية للسلام وطبول الحرب الخفية تبدو قمة شرم الشيخ محطة فاصلة بين زمنين:
زمنٍ أنهكته الصراعات والحروب بالوكالة وزمنٍ جديد تحاول فيه القوى الكبرى إعادة هندسة المنطقة من جديد.
قد تُسجّل القمة في التاريخ كـ”قمة سلام” لكنها في ميزان الجغرافيا السياسية والعسكرية قد تكون قمة إعادة اصطفاف أو حتى بداية حرب باردة شرق أوسطية جديدة.
وما بين الأمل والتهديد يبقى الشرق الأوسط على موعدٍ مع فصلٍ جديد من فصول التحوّل. فمن لم يحجز لنفسه موقعاً في هذه الخريطة الجديدة سيُرسم موقعه على هامشها.


