اثار منشور للصديق فلاح المشعل الافكار التالية في ذهني:
في عالم العلاقات الدولية، لا تعيش الدول في عزلة، بل تتحرك ضمن شبكة معقدة من التحالفات والاصطفافات والمصالح المتقاطعة. فمنذ أن نشأت الدول ككيانات سياسية، وجدت نفسها مضطرة إلى إقامة تحالفات دفاعية أو هجومية أو اقتصادية، إدراكًا منها لقاعدة أساسية: أن القوة في الغالب لا تُبنى بالاعتماد على الذات وحدها، بل بتوسيع شبكة الشراكات الدولية.
لكن هذه التحالفات ليست كلها متكافئة أو مستدامة؛ فالخطأ في اختيار الحليف قد يكون أخطر من عدم التحالف أصلًا. التاريخ مليء بأمثلة دول وضعت ثقتها في حليفٍ انهار عند أول اختبار، أو زجّها في حروب لم تكن من أولوياتها، أو فرض عليها تبعية قسرية انتهت بفقدان استقلالها.
العبرة من الدولة العثمانية
من أبرز الأمثلة في التاريخ الحديث: تحالف الدولة العثمانية مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914–1918). ظنّت إسطنبول أنها بحماية برلين تستطيع استعادة مكانتها أمام بريطانيا وفرنسا وروسيا. لكن الخسارة الكارثية لألمانيا انعكست مباشرة على “الرجل المريض”، فانفرط عقده وسقطت السلطنة العثمانية، ليتقاسم الحلفاء أراضيها في اتفاقية سايكس–بيكو (1916) ومعاهدة سيفر (1920).
هذا المثال يوضح خطورة التحالف الخاطئ: عندما تُبنى السياسة الخارجية على الانفعال أو على مصالح قصيرة المدى، لا على قراءة دقيقة لموازين القوى والتطورات المستقبلية.
فلسفة التحالفات: بين التبعية والاستقلال
التحالف الناجح لا يعني الانسحاق أمام الطرف الأقوى، بل يقوم على توازن المصالح، وعلى وضوح في الأهداف الوطنية العليا. هنا تظهر الحكمة القديمة التي وردت في القرآن الكريم:
“وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ” (هود: 113).
فالتحالف لا ينبغي أن يتحول إلى ركون أو تبعية، بل إلى شراكة تحقق المصلحة المتبادلة وتحفظ السيادة والكرامة الوطنية.
خيارات العراق: بين الجغرافيا والتاريخ والمستقبل
العراق، بموقعه الجيوسياسي الاستثنائي، يقف دائمًا عند مفترق طرق في خياراته الدولية. فهو محاط بقوى إقليمية كبرى (إيران، تركيا، السعودية) ويجاور مصالح دولية عظمى (الولايات المتحدة، روسيا، الصين). ومن ثم فإن سياسة التحالفات بالنسبة له ليست ترفًا بل ضرورة وجودية.
لكن هذه الضرورة يمكن أن تُدار وفق مسارين متناقضين:
- مسار التبعية والانحياز الأعمى: وهو ما وقع فيه العراق في مراحل مختلفة، سواء بالانجرار وراء المعسكر الشرقي أو الغربي، أو بالانحياز إلى قوة إقليمية على حساب أخرى. هذا المسار أضعف الدولة، وأفقدها استقلال قرارها، وأدخلها في صراعات لم تكن لمصلحتها.
- مسار التوازن الحضاري: وهو أن يُبنى التحالف على قاعدة واضحة:
- حماية السيادة الوطنية من أي تدخل.
- تعزيز التنمية الاقتصادية والعلمية عبر شراكات استراتيجية مع قوى كبرى.
- تنويع التحالفات بحيث لا تكون بغداد رهينة طرف واحد.
- جعل العراق جسر تواصل بين الشرق والغرب، بدل أن يكون ساحة صراع لهما.
نحو تحالف حضاري
إذا أردنا صياغة استراتيجية عراقية طويلة الأمد، فإنها ينبغي أن تتأسس على مفهوم “الدولة الحضارية الحديثة”، الذي يجعل التحالفات وسيلة لخدمة مشروع النهوض الوطني، لا لإدامة التخلف أو الانقسام. وهذا يتطلب:
- التحالف مع قوى إنتاج العلم والتكنولوجيا (أوروبا، اليابان، كوريا، الصين) لتحقيق قفزة معرفية.
- بناء شراكات اقتصادية متوازنة مع قوى الطاقة والأسواق (الخليج، آسيا).
- الحفاظ على علاقة أمنية متوازنة مع القوى الكبرى (أمريكا وروسيا) دون الدخول في صراعات المحاور.
خاتمة
إن درس العثمانيين مع ألمانيا يذكّرنا بأن التحالف ليس قرارًا عاطفيًا أو ظرفيًا، بل خيار استراتيجي يحدد مصير الأمم. والعراق، إذا أراد أن يخرج من دوامة الاستبداد والتخلف، فعليه أن يحسن اختيار تحالفاته على قاعدة العقل الحضاري لا الميل الآيديولوجي. فالعالم لا يرحم الدول الضعيفة ولا يتسامح مع الأخطاء الجيوسياسية الكبرى.


