بيان يبرّر ولا يعالج والخزانة الأميركية تكتب شهادة اخفاق النظام المالي المصرفي العراقي

بيان يبرّر ولا يعالج والخزانة الأميركية تكتب شهادة اخفاق النظام المالي المصرفي العراقي
يكشف النص هشاشة النظام المالي العراقي وفشل البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال في الامتثال للمعايير الدولية، مما أدّى إلى عقوبات أميركية خطيرة، داعياً إلى إصلاح مؤسسي شامل واستقلال الرقابة لحماية الاقتصاد من الفساد....

العقوبات الأمريكية الأخيرة اخفاق مؤسسي في  البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال  يكشف هشاشة النظام المالي العراقي.

بيان حكومي في الوقت الخطأ

أعاد بيان الحكومة العراقية الصادر في 11 تشرين الأول 2025، بشأن العقوبات الأمريكية على “شركة المهندس العامة” وبعض الكيانات العراقية، كرئيس اللجنة الأولمبية بأعباره عضو مؤسس ومالك لمصرف وشقيقه لا بصفته رئيس اللجنة اعلاه فتح ملفّ الخلل البنيوي العميق في المنظومة المالية والرقابية للدولة.

فالبيان، بدل أن يقدّم موقفاً سيادياً إصلاحياً، اكتفى بلغة دبلوماسية غامضة تُدين العقوبات من جهة، وتبرّرها من جهة أخرى عبر الحديث عن “التزام العراق بالاتفاقيات الدولية”، في حين أغفل الأسباب الجوهرية التي دفعت وزارة الخزانة الأمريكية إلى فرض تلك العقوبات.

إخفاق البنك المركزي – سياسات بلا أدوات

البنك المركزي العراقي يتحمّل الجزء الأكبر من المسؤولية في هذا الملف. فعلى الرغم من تصريحات المحافظ المتكرّرة عن الإصلاح المالي والمصرفي، إلا أن الواقع يؤكد غياب الإرادة التنفيذية والقدرة المؤسسية على ضبط النظام المصرفي وفق متطلبات الامتثال الدولية.

1.ضعف منظومة الامتثال والرقابة الميدانية

أغلب المصارف العراقية الخاصة لا تمتلك وحدات امتثال حقيقية، بل واجهات شكلية لتلبية المتطلبات الورقية للبنك المركزي. والرقابة التي يجريها البنك تقتصر على مراسلات مكتبية وتقارير شهرية غير دقيقة، دون زيارات ميدانية منتظمة أو فحص تدفقات مالية مشبوهة.

 2.فشل التعاقدات مع شركات التدقيق الدولية

خلال السنوات الماضية، أبرم البنك المركزي عقوداً مع شركات تدقيق عالمية لتطوير أنظمة مكافحة غسل الأموال.، إلا أن هذه العقود تحوّلت إلى واجهة تسويقية، حيث تمّ التركيز على التقارير الشكلية دون إلزام المصارف بتنفيذ التوصيات الفنية.، وهذا ما جعل تلك الشركات نفسها في موقف محرج أمام الخزانة الأمريكية، التي باتت تشكّ في جدية الإصلاح العراقي.

 3.استمرار نافذة بيع العملة كمنفذ رئيسي للمخاطر

نافذة العملة الأجنبية ما زالت تمثّل الثقب الأسود في النظام المالي، إذ تُستخدم من قبل مصارف وشركات تحويل كغطاء لتحويلات مشبوهة، بعضها يرتبط بشبكات خارجية. والبنك المركزي اكتفى بإجراءات تجميلية دون وقف الآلية التي تغذي السوق الرمادية بالدولار، رغم تحذيرات متكررة من جهات رقابية محلية ودولية.

إخفاق مكتب مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

المكتب، وهو المفترض أن يكون الجهة الفنية المسؤولة عن تحليل المعاملات المشبوهة، تحوّل فعلياً إلى جهاز إداري محدود الصلاحيات، لا يملك أدوات التحليل الاستخباري المالي ولا القدرة على مواجهة شبكات النفوذ داخل القطاع المصرفي.

1.غياب قاعدة بيانات وطنية متكاملة

المكتب لا يمتلك نظاماً متطوراً لتحليل أنماط العمليات المالية (Transaction Monitoring System). ويعتمد حتى اليوم على بلاغات يدوية يرسلها المصرف المركزي أو البنوك التجارية، وهي بلاغات في معظمها متأخرة أو ناقصة.

 2.تسييس قرارات الإحالة والتحقيق

بعض الحالات التي يشتبه فيها بوجود غسل أموال يتم تجاهلها أو تجميدها لأسباب سياسية أو لضغوط من جهات متنفذة. وغياب الاستقلال المؤسسي جعل المكتب عاجزاً عن رفع تقاريره مباشرة إلى القضاء أو مجلس مكافحة الفساد.

 3.قصور في التعاون الدولي

رغم عضوية العراق في مجموعة العمل المالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENAFATF)، إلا أن مستوى تبادل المعلومات مع وحدات الاستخبارات المالية في الخارج ضعيف للغاية. وهذا العجز جعل الجهات الأمريكية والدولية تشُك في كفاءة المكتب وقدرته على ضبط عمليات غسل الأموال العابرة للحدود.

تداعيات العقوبات الأمريكية الأخيرة

العقوبات التي فُرضت من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) ليست مجرد خطوة سياسية، بل تحمل تداعيات اقتصادية ومصرفية خطيرة:

 1.انكماش الثقة الدولية بالنظام المالي العراقي

أي مصرف عراقي يتعامل مع الكيانات المعاقَبة سيتعرض تلقائياً للمراقبة المشددة وربما للعقوبات. وهذا يعني أن المصارف المراسلة الأجنبية ستخفض تعاملها مع العراق، ما يؤدي إلى تأخير التحويلات التجارية وارتفاع كلف الاستيراد.

 2.اهتزاز سمعة العراق المصرفية

استمرار فرض العقوبات يعطي انطباعًا بأن العراق لا يملك سيطرة فعلية على نظامه المالي. وهذا سيضعف جهود الحكومة في جذب الاستثمارات الأجنبية أو التفاوض مع المؤسسات الدولية.

 3.انعكاسات اجتماعية واقتصادية مباشرة

تضييق الخناق على البنوك سيؤثر على القطاع الخاص والمستوردين، ويزيد من كلف التمويل والتجارة. وكما ستنخفض القدرة الشرائية للمواطن بفعل ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي.

مقترحات إصلاحية عملية لوقف هذا التدهور واستعادة الثقة، يجب الانتقال من مرحلة البيانات إلى مرحلة الإصلاح المؤسسي الفعلي عبر الخطوات التالية:

 1.إعادة هيكلة البنك المركزي

استحداث دائرة رقابة مالية مستقلة خارج البنك المركزي ترتبط مباشرة بمجلس الوزراء أو مجلس النواب، وتُمنح صلاحية تدقيق جميع المصارف دون استثناء. وإعادة النظر في التعاقدات مع شركات التدقيق الدولية وفق معايير النتائج وليس التقارير الشكلية.

 2.إصلاح مكتب مكافحة غسل الأموال

منحه استقلالية مالية وإدارية، وتمكينه من الوصول المباشر إلى قواعد بيانات المصارف وشركات التحويل. تطوير نظام رقابة إلكتروني ذكي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل المعاملات المالية المشبوهة. وتدريب الكوادر الوطنية على مهارات التحليل الاستخباري المالي بالتعاون مع مؤسسات دولية موثوقة.

3.إعادة ضبط نافذة العملة

إيقاف التعامل النقدي المباشر والتحول التدريجي إلى نظام التحويلات الإلكترونية الموثقة. وإنشاء وحدة تدقيق يومية مشتركة بين البنك المركزي وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية.

4.تفعيل الدبلوماسية المالية

فتح قنوات حوار فني مباشر مع وزارة الخزانة الأمريكية لتبادل المعلومات بدل الانتظار لصدور العقوبات. وإنشاء “خلية متابعة العقوبات الدولية” تضم خبراء قانونيين وماليين لتقييم المخاطر المحتملة بشكل دوري.

إن العقوبات الأخيرة لم تكن مفاجِئة بقدر ما كانت نتيجة حتمية لتراكم الإخفاقات في إدارة النظام المالي العراقي.وبدل أن تكتفي الحكومة ببيانات دبلوماسية تبريرية، فإن عليها أن تواجه الحقيقة:

الخلل في الداخل، لا في الخارج

ولا يمكن للعراق أن يستعيد مكانته المالية إلا عندما يتحرر البنك المركزي ومكتب مكافحة غسل الأموال من قيود المجاملة السياسية ويعودا إلى جوهر دورهما: حماية الدولة من الفساد  المالي، لا حماية الفاسدين من الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *